الرأيكتاب أنحاء

“رابطة سدر” فكرتها النبيلة واستحقاق الدعم والإشهار

جارتنا السدرة ، صحوت على الدنيا وهي سامقة في مشرق الشمس عن بيتنا ، وارفة الظلال ،تشغل مساحة كبيرة من مزرعتنا ، كانت ملاذنا ونحن أطفال ، نلعب تحت اغصانها ، وندق على فندها(جذعها )لكي يخرج النمل، ونرمي أغصانها بالأحجار اذا أصفرّ ” نبقها “،ونتسابق على التقاطه ، وعندما كبرنا قليلا ، صرنا نتبارز الاقران فيمن يتسلق فروعها أطول ، وبعد فترة من الزمن حدثني أحد العارفين بتاريخ المحافظة قائلا : سدرة والدك رحمه الله كانت أول مسجد في محافظة العقيق بمنطقة الباحة يقام تحت ظلها اول خطبة وصلاة جمعة ، كان ذلك قبل بناء اقدم جامع بالمحافظة ، أي قبل ستون عاما ، فشكلت لي هذه الحقيقة معلومة من أظرف ما عرفت ، أن جمعة أقيمت تحت شجرة ..

أعلى وادي العقيق وأحد روافد ، وادي المحافظة ، وادي يدعى ” لَخية ”  ، وفي لسان العرب :  ” وواد لاخٌّ وملْتَخٌّ : كثير الشجر مؤْتَشب ” ، هذا الوادي غني بالسدر المعمر ، كثيف الأشجار وفير المياه  ، وقد ذكر لنا كبار السن ، ان في وقت المجاعات يلوذ الناس بهذا الوادي ، فيهرسون نبقه ، ويتقوتون عليه لما يسد رمق جوعهم ، ويشربون من ماء الوادي ، ويذكرون أن لكل قوم سدرتهم التي يتعارفون على أنها تخص أناس دون غيرهم ، ولأنهم يدينون له بعد الله بالفضل ،فقد أطلقوا عليه وادي الايتام ، لانهم رأوا في شجر سدره الذي يغذيهم ، ويعولهم ، ويأويهم  ويقيمون تحت اغصانه بيوتهم ، بديلا للوالدين وملاذا عن الجوع ..

ما جعلني أتذكر السدر وافضاله وذكرياته ، هو ان ابني ” هاني ”  بالمرحلة الإعدادية قد اشترك في ” اولمبياد ابداع ”  ، وكان موضوع مشروعة ” الاستفادة من مياه الوضوء بالمساجد لري الأشجار الدائمة حول المساجد ” وبعد بحث طويل اختار شجرة السدر ،لتكون هي المستهدفة بالاستزراع حول المساجد محل البحث ، الشجرة الوتدية الجذور التي لا تضر بأرضيات الساحات ، ولا تؤثر في خطوط المجاري ،وفيرة الظل ، ومعمرة ، وصديقة لتراثنا ، وحاضرة في موروثنا ، ومبجلة في ديننا ، وصديقة لبيئتنا ، فقليل من الماء يكفيها .. هاني يحلم بمساجد داخل واحات من السدر ، يتحسر عندما نسافر ونرى المساجد على الطرق السريعة والتي يرتادها المصلون للفرض الواحد اكثر من مرة ، وكميات من المياه تفيض الى الساحات الخارجية ويتمنى لو ان هناك شجرة ، بل واشجار ، تستهلك الفائض وتمد الطرق ومساحات المساجد بالجمال وبالظلال .

خلال مشروع ابني تعرفت على مشروع من انبل واروع المشاريع في بلدنا ، وهو مشروع رابطة سدر ، هذه الجمعية التطوعية غير الرسمية التي نجحت في إستغراس شتلات سدرية ، وافلحت في عمل مشاتل بألاف الشتلات ، ووضعت هدف غرس مليون سدرة في المملكة ، ووضعت أسعار رمزية جدا ، عشر ريالات للشتلة الواحدة ، وفندت الفوائد والعوائد ، حيث يمكن من هذه الأشجار ، استخلاص عدة منتجات تصل عوائدها الى مئات من الملايين من الريالات ، ناهيك عن تحويل البيئة من مساحات جرداء الى واحات خضراء ،ومساهمة كبيرة في ترطيب الأجواء ، وتخفيف درجة الحرارة ، وإيقاف التصحر ، واستغلال ميزة عظيمة في السدر ، كونها  اذا وقفت على سوقها ، فأنها تعتمد على نفسها ، ولن تعد تستهلك سوى كميات الامطار التي تسقط حول جذورها ..

كل ما اتمناه بأن يلتفت لهذه البادرة البيئية الخلاقة ، والنبيلة ، فتدعم من قبل رجال الاعمال ، ومراكز بحوث الجامعات ، ومن قبل الجهات التي شددت الرؤية السعودية على وجوب توليها  دعم مشاريع البيئة .

رابطة سدر يجب أن تدعم ، وأن تذاع ،وتبرز ، وتسوق في اعلامنا ومن قبل مشاهير السوشال ميديا .. فمثل هذه البادرات تستحق الاشهار ..

Tags
Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button
Close