الرأيكتاب أنحاء

كيف انتقلت “الملوخية الناشفة” من تونس إلى المدينة المنورة؟!

بحكم الاستعمار العثماني الذي طال المدينة المنورة دونًا عن مكّة المكرمة وجدة. فقد تأثر المطبخ المديني بالمطبخ العثماني بشكل كبير.. ولعلّ أحد الأطباق التي انتقلت من أقليم الأناضول التركي إلى المدينة المنورة هو طبق “البوريك” وهو عبارة عن عجين رقيق جدًا وهشّ جدًا يحشوه الأتراك غالبًا بالجبنة البيضاء.. بينما أهل المدينة المنورة يحشونه غالبًا باللحم المفروم والبقدونس.. ثم يوضع هذا العجين المحشوّ في الفرن ويُخبز حتى يحمرّ أعلاه ويؤكل مقرمشًا ساخنًا، البوريك لم ينتقل للمدينة المنورة فقط بل نقله توسّع الإمبراطورية العثمانية لدول البلقان وشمال إفريقيا تونس تحديدًا.. في تونس يستخدمون نفس العجين الرقيق ولكنهم يحشونه غالبًا بالبيض المسلوق وسمك التونة الذي يسمونه في تونس “الطُن”.

ليست هذه العلاقة المطبخية الوحيدة بين المدينة المنورة وتونس والإمبراطورية العثمانية؛ ففي المدينة المنورة دونًا عن بقية مدن الحجاز والسعودية لديهم طريقة طبخ فريدة للملوخية.. هناك طبق يسمونه “الملوخية الناشفة” وهو عبارة عن أوراق ملوخية يجري تجفيفها تحت الشمس لعدة أيام حتى تجفّ تمامًا ثم طحنها طحنًا شديدًا.. بعد ذلك تصبح جاهزةً للطبخ.. فيجري تسخين الزيت حتى يبدأ بالغليان ثم ترمى فوقه الملوخية المجففة والثوم ثم تطبخ على نار هادئة لعدة ساعات قبل أن يضاف لحم الغنم ويطبخ مع الخليط لعدة ساعات أخرى ويصبح جاهزًا للأكل مع الأرز أو الخبز.. وخليط الملوخية المجففة هذا بعد الطبخ يكون أسود اللون سميكًا يشبه البترول الخام.. بينما غير المعتادين على طعم هذا الطبق يعلّقون على رائحته وطعمه بأنه أشبه بالحنّاء.

لا يستغني أهل المدينة عن مخلل الليمون ليتناولوه مع طبق الملوخية الناشفة ليكسر طعمها وسمكها القوي، وتقول قصص الجدّات في المدينة إنهم إذا صنعوا الملوخية ولم يجدوا مخلل ليمون فإنهم يستعيرونه من الجيران.. دلالة على صعوبة تناولهما بمعزل عن بعضهما!

كنت دائمًا أتساءل عن أصول هذا الطبق الذي تنفرد به المدينة المنورة عن غيرها ولم يكن هناك من تفسير منطقي سوى أنه أتى من تركيا بحكم الاستعمار.. لكن المربك أنهم لا يتناولون هذا الطبق أبدًا في تركيا؛ فاستبعدت هذا التفسير.

لكن مؤخرًا وفي زيارة لتونس تذوقت الملوخية التونسية وهناك كانت المفاجأة.. وجدت نفسي أتذوق نفس طبق الملوخية الناشفة الذي تعودت عليه منذ صغري.. نفسه بالضبط!

ولكن كيف انتقل من تونس إلى المدينة المنورة؟ خصوصًا في ظل عدم وجود علاقة مباشرة بين المنطقتين.. لكن بتحليل بسيط ومنطقي لن نجد تفسيرًا سوى أن الاستعمار العثماني الذي طال تونس والمدينة المنورة هو من ساهم في نقل الملوخية من تونس للمدينة كما ساهم قبلها في نقل البوريك من تركيا إلى المنطقتين المذكورتين.

Tags
Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button
Close