مقالات الصحف

«عيش ديك يوم ولا تعيش فرخة سنة!»

نجيب الزامل
.. ما سيكون حالُ مصرَ بعد رحيل مبارك؟

باختصار: قرّر الشعبُ أن يكونوا ديوكا. الديوكُ ستبني دُنَّ الدجاجَ الجديد.

أولا: الحكاية النكتة: في دراسات الأنثربولوجيا وتطبيقاتها على طبيعة أي شعب أو أمة، محوران رئيسان يُرْتـَكـَز عليهما كمدخل للبحث: الأمثالُ الشعبية، والطرائف الشعبية. وربما استكهنتْ النكتة عِظـَم المفاجأة التي أخذت بتلابيب كل العالم. النكتة تقول: إن رجلاً كان يمشي على شاطئ الإسكندرية فرمى الموجُ أمامه فانوساً، فأخذه وفرَكه عن التراب العالق فيه، فإذا جنيٌ عظيمٌ يخرج له من الفانوس، ويهْدرُ له: ''أطلب ما تريد بشرط أن يكون طلباً واحداً''. فقال الرجلُ: ''أريد جسراً معـلّقا من بيتي إلى بيت أخي في نيويورك، أذهب وآتي على كيفي''. ردّ الجنيُ: ''يا أيها الرجل لا تشطح كثيرا، اطلب أمراً معقولاً''. فكر الرجل قليلا وقال: ''أطلب أن أرى قبل أن أموت رئيساً جديداً لمصر'' .. بسرعة ردّ الجني: ''على فكرة يا حبيبي، إنت عاوز الجسر بمسارٍ واحد ولا مسارين؟!''.

حتى الجنيُّ العظيم لم يستطع أن يتخيل مجرد التغيير!


ثانياً: سُمعة مصر الموغلة حتى الآن: المصريون من قراءة التاريخ هم الأكثر تسامحاً، وبلدهم الأكثر أمانا ''ادخلوا مصرَ إن شاء الله آمنين'' سورة يوسف. وترى أن مصرَ لمن يحب السلامَ والأمن ورخاء حالها هي أرض آمنة كما وصفها الحق تعالى .. ولكن مصر تثور ثورات معدودة على الغريب والطاغية من أيام الهكسوس والحيثيين وحتى الفراعنة إلى المماليك والعثمانيين، والحركة الوطنية الشهيرة ضد الإنجليز.. إنها أمةُ تنبت شيئين في أرضها مع القطن: الصبرَ والكرامة.

وهي أمةٌ تخيف من لا يحبها ويهابها، ولأعدائها الحق. انظر وكأن ميدان التحرير هو قلب مغناطيس العالم، لم تبقَ صفحة أولى في جريدة على الكوكب، ولا أخبار رئيسة في الإعلام، إلا وكانت كلمة ''التحرير'' تتربع متوَّجة بمجد المصريين، شبابُ مصر بالذات. وانظر في الإنجيل عن العهد القديم (بلسان رب اليهود كما يزعمون) يقول: ''اذهب واجمع حكماءَ بني إسرائيل، وقل لهم: إن الربَّ، ربُّ آبائِكم، رب إبراهيم، وإسحق، ويعقوب، تجلّى أمامي قائلاً: زرتكم ورأيت ما فُعِل بكم في مصر، وإني سأخرجكم من بؤس وشقاء وعذابات مصر إلى أرض الكنعانيين، والحيثيين، والآموريين.. إلى أرض تتدفق بأنهار الحليب والعسل''. كل من يعادي مصر، أو من مصلحته معاداة مصر، كإسرائيل ومن يحالفها، ومن تمتلئ قلوبهم بالحسد والحقد على مصر لأسباب جيوسياسية، أو اقتصادية، أو محورية، عبثوا في بلدٍ بوابته مفتوحة، وقلوبُ ناسِهِ مفتوحة، دائما يُلعَبُ على صبر المصريين الأسطوري.. وفسروه دائما بأنهم شعب من ''الفراخ''.

الآن تذيقهم الديوكُ مرارة نفاد الصبر!

ثالثا: لن يستغني عن مصرَ أحدٌ في الدنيا؛ ولكل سببٍ ارتباطه القوي أو أجندته مع وفي مصر. لنأخذ رمزا ''ريلكه'' الألماني الشاعر الفخم وكيف أحب فتاة مصرية لما زار مصر، وعاد لزيارتها ومات بها هياما.. حرفيا, وحكيت القصة الكاملة يوما هنا. لذا يعتقد أي أحد أنه يجب أن يكون له دورٌ في مصر خارج إطارها كدولة سيادية .. محبو الآثار لا يرون مصر جغرافيا يرونها عالـما مملوكا لكل العالم. ومحبو الدراسات الشرقية والسياح .. والسياسيون والجواسيس ورجال الأعمال.. وطلاب الفن والشهرة، وطلاب العلم والثقافة. لكل منا مِصْره. وجّه ديوكُ التحرير رسالة: ''أهلا بكم في أي وقت في مصر. مصرنا لا مصركم!''.

رابعا: وبعدين؟

العالم ''المعروف!'' خائفٌ من المدّ الإسلامي، وخائف بالذات من أن يخلف الحكمَ الإخوانُ المسلمون. اليوم أقرأ تقريرا لمحلليْن سياسيَيْن بريطاني وأمريكي، يتفقان على سؤال: لماذا تخافون من الإخوان المسلمين؟ انظروا ما فعل غيرهم. إن كنتم تريدون استقرارا لمصر فليفز من يختاره الشعب، تماما كما تطلبون!''، يتابع كريستوفر: ''لم نجرب أصلاً حزب الإخوان، وغيرهم عاثوا فسادا، إنهم منظمون نافذون بالغو التأثير، وإن كانوا مسلمين حقا فسيقودون حكومةً طاهرة، وهذا ما تحتاج إليه مصر منذ قرون، ثم إنهم لا يمكنهم نسف الاتفاقات الدولية ولا نسف التوازن في المنطقة''.

خامسا: رأيي:

لم يعد المدّ الإسلامي خفيا في مصر، الحجابُ هو السائد في الشارع وهو دليل بازغ .. ولاحظت أن الناس يتواعدون بالصلوات: ''خلاص ح أبقى أمرّك بعد صلاة المغرب''.. هكذا يتواعدون. وفي ميدان التحرير يتواعدون بعد صلاة الفجر لبرمجة اليوم، وجمعة الرحيل بعد صلاة الجمعة. وأظن أنه ليس بالضرورة مدّا إخوانيا، بل إسلاميا وسطا.. ومن عبقرية جماعة الإخوان أنهم لمّحوا بوضوح إلى أنهم لن يتقدموا باسم رئيس من جماعتهم في الانتخابات بالعهد الجديد.. هم طبعا أداروا التأجيجَ واللوجستيك في الأيام الماضية ببراعة. تصوري للعهدِ الجديد بعد مبارك: عقلية إسلامية ليبرالية ديمقراطية متفتحة لظروف العالم متصلة بقوة بالإعلام الجديد وبتوجه شاهق للقيادة والرؤية الشبابية..

أظن أن الجنيَّ هذه المرة لن يضطرَّ لبناءِ الجسر!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق