مقالات الصحف

غازي في عقولنا

(خاص)

(1)

رحم الله غازي القصيبي.. غازي الرمز، غازي الاستثناء، غازي المدرسة، غازي النخلة التي تساقطت علينا رطبا جنيا، غازي الذي ترعرعنا في حضن رواياته وقصصه وشعره ومقالاته وكتبه، ورضعنا من نهد فكره ما أقام صلب عقولنا، حتى باتت بصمته الخاصة حاضرة في شخوصنا، نستلهمه فيلهمنا، نتأمله فيبعث فينا الأمل، نقرأه فيطرق التفاؤل بابنا.. وحين نتذكر رحيله عنا، تنتحب قلوبنا ألماً، وتبكيه عيوننا حزناً، فمثله قليل، بل نادر الوجود في هذا الزمان.

(2)
تحضرني كلمات أمي وأبي، عندما عادا من لندن بعد شهرين من العلاج، حيث كان غازي القصيبي سفير السعودية في بريطانيا آنذاك. كلماتهما كانت عن غازي الإنسان قبل غازي السفير، غازي الذي فتح لهما بيته قبل مكتبه، واستقبلهما وكأنه يستقبل شقيقه وشقيقته، وأجاب طلبهما مبتسماً ومعتذراً، بعد أن أعيتهما لا مبالاة من هم أقل من غازي وظيفياً في تلك السفارة. رددا مراراً وتكراراً : "الله يجزاه خير .. ليت المسؤولين كلهم غازي". لم أتوقف كثيراً عند قولهما هذا في حينه، ولكن وقعه رافقني طويلاً، حتى عرفت غازي من كتبه وأفعاله، وصرت أقول كما كانا يقولان.

(3)
في نهاية المرحلة الثانوية، فتشت عن غازي بين مؤلفاته، وأخذت أنهل من معينه العذب كتاباً كتاباً.. رواية رواية.. قصيدة قصيدة.. وبعد أن اعتليت مركب الصحافة، قدر لي مشاهدته وجها لوجه في مناسبتين، كل ما فعلته فيهما عدا مصافحته، تأمله فقط، وهكذا فعلت في عزائه أيضاً، حيث تأملت المعزين، ولمحت غازي الإنسان والأديب والروائي والشاعر والسفير والوزير، في تقاسيم وجوههم، كلٌ حسب معرفته وقربه منه.

(4)

عندما اقتربت الذكرى الأولى لرحيل غازي القصيبي، فكرت بما يمكن فعله، فالأقوال والأفعال صغيرة أمام هذا الهرم العظيم، واستقريت والخجل يعصف بي، على شراء 100 نسخة من مؤلفاته، مختومة بعبارة "غازي في عقولنا.. الذكرى الأولى لرحيل غازي القصيبي 15 أغسطس 2011"، لأقوم ومن معي من محبي غازي، بتوزيعها على الناس كباراً وصغاراً، هنا وهناك، ليقرأه من لم يقرأ له، وإن كنت على يقين بأنهم ندرة أو غير موجودين في الأصل، وليقترب منه أكثر وأكثر من قرأه وعرفه، ولنجدد العهد والعلاقة بين غازي وبين عقولنا. سنرتدي قميصاً موحداً يحمل صورة الراحل، ومن فوقها عبارة "غازي في عقولنا"، وسنجوب بعض الطرقات والأماكن في الرياض ليلة ذكراه. ودعوتنا مفتوحة لمن يريد مشاركتنا في ذلك، وأيضاً، لمن يريد فعل الأمر نفسه في مناطق ومدن أخرى، أجزم أن لغازي فيها محبين أكثر من العاصمة.

(5)

صدقيني ! لا كرامة  لحيوانات ولا لخضروات ولا لخضروات بشرية. صدقيني إذا قلت أني أعتقد أن الموت أفضل ألف مرة من عيش الخضراوات البشرية. (أخر ما كتبه غازي القصيبي – أقصوصة ألزهايمر ص 126).

 

@KAboshaibah

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق