مقالات الصحف

نصيحة صغيرة

في حفل زواجي قبل نحو ست سنوات استوقفني قريبي قبل لحظات من دخولي إلى قاعة النساء لالتقاط الصور التذكارية مع زوجتي وأفراد عائلتي. سحبني إلى مكان قصي لا بشر فيه ولا حجر ليودع في أذني "كلمة رأس" لا يرغب أن يسمعها أحد من القريبين والبعيدين. كلمة الرأس كانت نصيحة صغيرة. سألني أن أتوقف عن الابتسام هذا المساء فقط.

أجبته أن الابتسامة ليست سيجارة لكي نتوقف أو نقلع عنها. فرد علي غاضباً: إنها أشد ضرراً هذه الليلة. ستجعلك طرفة تتندر عليها النساء. فالرجل الذي يبتسم في ليلة عرسه يبدو للحضور أنه "خفيف"، وأن ابتسامته مؤشر لكونه سيصبح في المستقبل القريب خاتماً في أصبع زوجته تحركه كما تشاء ومتى تشاء. وختم قريبي المتزوج قوله بالعبارة الشهيرة: "اسمع نصيحتي وتربح". فور أن انتهى قريبي من حديثه انطفأت ابتسامتي لا إراديا. توجهت نحو زوجتي بوجه مظلم خال من السعادة، كأني أدخل مجلس عزاء وليس قاعة فرح وغناء. بعد أن وضع الليل أوزاره وانفض الحضور باغتتني زوجتي بسؤال يشبه فأساً: قلقت عليك، لماذا غابت ابتسامتك الليلة؟ صديقاتي يعتقدن أنه بيننا خلاف. رويتُ لها السبب الحقيقي لاختفاء ابتسامتي. لكنها استقبلته بضيق عبرت عنه ببرود أحال ليلتنا الأولى إلى ليلة متجمدة مليئة بالرتابة والجليد الذي كان سداً منيعاً لأي محاولة لتلطيف الأجواء.
اعتقدت لوهلة أن الآثار السلبية لنصيحة قريبي قد زالت مع دخول موسم الربيع وانقشاع الشتاء ببرودته وملابسه الثقيلة، لكني كنت مخطئاً. لقد عادت النصيحة بثيابها الخشنة ووجهها الطافح بالتجهم عندما استلمنا ألبوم صور حفل زفافنا من الأستوديو الذي تعاقدنا معه لتصوير ليلة العمر. وقعت الطامة الكبرى عندما تصفحنا الصور معاً. بدوت في الصور كأنني في جنازة. مراسم العزاء تدب حالياً في صدري وصدر زوجتي. ماذا نفعل بهذه الصور؟ كيف سنستعرضها أمام أطفالنا في الغد؟ ماذا سنقول لهم عندما يكبرون ويسألوننا عن سر "التكشيرة" التي تتدفق من وجه أبيهم؟
جميعنا ضحايا النصائح الصغيرة التي يبرع مجتمعنا في توزيعها. إن النصائح ليست كالحلوى أثرها السلبي يكمن في تسوس الأسنان. إنها قد تسوس حياتنا. وحينها لا طبيب ولا رفيق بوسعه أن يساعدنا.
ثمة خطورة بالغة للنصائح ما كبر منها وما صغر؛ لأنها تعتمد على تجارب شخصية، وما يناسبك لا يناسب غيرك. والتجارب الشخصية لا يمكن أن تكون قياساً أو مقياساً. إننا ولدنا مختلفين وما أجمل أن يكون كل منا مختلفاً. ولا أجد مبرراً واحداً لكي نتشابه أو نتطابق. النصائح التي نتوارثها حولتنا إلى صور مشوهة ومزيفة من بعضنا البعض، والمزيف لا يقيم الأود ويمسك الرمق.
إنني مازلت نادماً على ما حدث وغاضباً جداً، ليس من قريبي، وإنما مني؛ لأني أخذت برأيه كأنه وحي منزل. غيبت وعيي وارتميت في أحضان نصيحته، وسلمت نفسي لها دون فرز أو تحليل، إنه لا يتوفر في حياتنا زر بإمكانه أن يمسح ما نريد. ما نحصل عليه هو نتيجة لما نقوم به. فلمَ إذاً نسمح للآخرين بتقرير مصائرنا نيابة عنا؟
لا أحد على وجه البسيطة يعرفنا حق المعرفة كذواتنا. هذه المعرفة الدقيقة تمنحنا القدرة التحليلية على اتخاذ القرار الأنسب وفق إمكاناتنا. من الجميل أن نستلهم من الأفكار والاقتراحات، بيد أننا يجب أن نمنحها روحنا وبصمتنا حتى تثمر.
إن الآراء ليست وجبات تستهلك على الفور، بل مواد خام بحاجة إلى تكرير وفرز قبل استهلاكها. إن استهلاكها مباشرة قد يسبب تلبكاً فكرياً أو تسمماً نفسياً سنعاني منه لاحقا.
المجتمعات التي تصنع النصيحة بإسراف لا تملك ما تصنعه. من يصنع شيئاً جديراً لن يجد وقتاً يصرفه في "كلمة رأس"!

 

 

الوطن

 

@Almaghlooth

لمتابعة الكاتب على تويتر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق