الرأيكتاب أنحاء

الدراما السعودية .. قصاصات جريدة محلية

 

غالباً ما أعجز عن مشاهدة الأعمال الدرامية على أساس كونها ” عمل درامي ” وإنما تظهر لي على الشاشة بشكل قصاصات جريدة محلية تم تجميعها على مدار عام كامل ثم توزيعها على ثلاثين حلقة دون إضافة أهم عنصر من عناصر الدراما وهو: الدهشة !

نعم .. أعترف بوجود عنصر ” الدهشة ” لكنها بالسالب ! فما يقدم في الغالب هو إعادة للرأي العام حول قضايا العام بطريقة غير وسطية لا تخلو من المبالغة في السخرية لتصبح مجرد تهريج أو مبالغة في التراجيديا لدرجة ينقلب فيه العمل إلى كوميديا وسط لطم الخدود وشلالات الدموع ! كما يمكن للمشاهدين الصوم لمدة عام عن متابعة الصحافة المحلية وما تطرحه وتناقشه من قضايا ثم يفطرون عليها في رمضان من خلال الدراما السعودية , وعند نقطة ” إعادة تدوير قصاصات الصحف المحلية إلى أعمال درامية ” يجب أن نتوقف ونتأمل , وعند التأمل سوف نكتشف بأن الدراما السعودية هي الدراما الأولى التي استطاعت أن تحول الصحف المحلية إلى أعمال تلفزيونية ولا أستبعد أن يتم تلحين العناوين الرئيسية للصحف لتصبح مقدمة لمسلسل ما ! وربما تستحق الدراما السعودية جائزة استثنائية على تفردها بهذه الخاصية . حتى روح النكتة والسخرية إن حضرت , تحضر بطريقة محترقة ! لأنها ليست مبتكرة وإنما عبارة عن ” تلقيط ” من شبكات التواصل الاجتماعي !

لست ضد إعادة تدوير أو تطرح القضايا الحاضرة في المجتمع السعودي فهذا جزء من دور الدراما لكن يجب أن يشعر المشاهد بحالة الدهشة عند تناول قضية قد سبق وعاش كل تفاصيل السيناريو الخاص بها تحت إخراج الواقع حتى أصبحت مشاهدته للعمل مجرد ” رتويت ” لواقع شبع منذ زمن من كثرة تناوله ولم يتناوله العمل الدرامي من زاوية جديدة تثير المزيد من الحراك حول القضية المقدمة .

ما سبق لا يعني تجاهل التجربة الدرامية السعودية في ظل مجتمع له خصوصية ومازلت لوحته الفنية , لوحة تجريبية تحاول الانعتاق من غياب البيئة الاحترافية للعمل الدرامي نظراً لعدم وجود معاهد متخصصة لصقل المواهب سواء كانت تمثيل أو كتابة وخلافه, ولابد- أيضا- من شكرهم على تلك المحاولات في ظل وجود حيز ضيق للتحرك الدرامي بسبب تلك الخصوصية وسقف الحرية ! لكن حصار الدراما بتلك المُضعِفات ليس مبرراً على جمودها وتحركها داخل حيز لا يتعدى عدد الحروف المسموح بها في أعمدة الصحافة وما يجيزه الرقيب ! فالقماشة الدرامية لها مقدرة على التمدد والتقلص والالتفاف أكثر بكثير من أوراق الجريدة ! وأعتقد أن مشكلة جمود الدراما تكمن في سقف الحرية بدليل عدم تجاوزها في غالبية طرحها على قصاصات الصحف بكونها الوسيلة الأولى الرسمية التي من الممكن أن يقاس سقف حرية الكلمة من خلالها ومن ثم إدراجها في أعمال خفيفة تدور داخل المنازل ولا تخرج إلى عمق المجتمع لتقدم حالة من النسج الدرامي للنسيج الاجتماعي الذي يحمل الكثير من القضايا والصراع والكثير من الجمال والإلهام . مجتمع مر بتحولات عديدة ومازال ولن يتوقف في بيئة تخفي بين تضاريسها الجغرافية والفكرية ودهاليزها المخفية الكثير من الحكايات المدهشة والملهمة, غالباً ما تُظهر الدراما السعودية حجر من رأس الجبل ويبقى الجزء الأكبر تحت الأرض , ذلك الجزء هو الذي يجب أن يظهر بطريقة راقية . إن تاريخنا المعاصر يحمل الكثير من الأحداث التي لو استندت إليها الدراما لنهضت وبرزت !

أعود مرة أخرى إلى ” سقف حرية الدراما ” وهي حالة تستدعي الدراسة لتناقضها, فسقفها يتمدد كثيراً عند انكماش ملابس الفنانات وتناول مواضيع العلاقات المشبوه بين الجنسين وكأن مجتمعنا لا يعاني ولا يهتم إلا بتلك الظواهر الشاذة , بينما يعجز سقفها عن الارتفاع لتناول قضايا الحقوق والحريات وسبر أغوار الفساد أو التطرق إلى السير الذاتية الملهمة ولو بطريقة الإسقاط! كثيراً ما أفكر في عدم لجوء الدراما السعودية في ظل شكواها من ندرة الكتاب المحليون إلى مكتبة الروايات السعودية والعمل على تحويل إحدى الراويات التي تستحق إلى عمل درامي , هناك الكثير من الروايات المهمة التي لو قدر لها الظهور مع توافر عوامل النجاح من سينارست جيد وإنتاج سخي ومخرج متمكن وممثلين بارعين فمن المؤكد حدوث قفزة إيجابية على سلم الدراما السعودية , غير أن هذه الخطوة معرضة للإجهاض من قبل حدوث الحمل لأن سقف حرية الرواية أعلى من سقف حرية الدراما , ولذلك نحن نعود إلى نقطة الجمود وتصبح قصاصات الصحف هي مصدر الهام صُناع الدراما .

 

@salehaltwijri

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق