خواطر ناجية من السرطان

خواطر ناجية من السرطان | الحلقة 6 : أن تتكلم أو لا تتكلم .. هذا هو السؤال !

 

هناء بنت لقمان يونس

عندما يبلَّغ شخص ما بأن عنده مرض السرطان فإنه لا يمكن لأحد أن يقدر حجم الضعف الذي يصير فيه هذا المريض . سيدمر هذا الخبر حواسه وتقديره وقدرته على التفكير بوضوح ، وهذا حال كل من أصيب بصدمة ما : يتردى معنوياً ويصبح محتاجاً –وبشدة – للرعاية .

لذا كان من الضروري بمكان أن يرافق مريض السرطان قريب أو صديق أثناء زياراته إلى الطبيب ، يدوّن الملاحظات ، ويسأل الأسئلة ، ويخبر الطبيب بأشياء حصلت مع المريض ، ذلك لأن المريض يكون ذهنه مشوشاً بطريقة لا يمكن تخيلها .. حتى هو لا يعي أهمية ذلك إلا إذا جرب ، وذهب وحده فإنه ينسى أغلب ما قيل له مالم يسجله .

إلا أن المقرب من المريض بشكل عام والمرافق بشكل خاص ينبغي أن يتحلى بصفة شديدة الأهمية ، وهي أن لا يكون ثرثاراً . المريض يحتاج أثناء زيارته للطبيب أو لإجراء فحوصات أو أخذ جلسات العلاج إلى هدوء وخلوة بالنفس .. أشعره أنك قريب منه ، وأن بإمكانه أن يعتمد عليك فيما يطلب أو يحتاج ولكن بصمت ..

كنت أذهب إلى مستشفى الحرس التي تبعد مسافة 45 دقيقة عن بيت أمي في جدة وأرفض رفضاً تاماً أن يُفتح المسجل أو الإذاعة إلا أن يكون قرآناً . كنت أملأ وقتي بتسبيح واستغفار أعلم أنه سيربط على قلبي .. أو قد أتظاهر بالنوم ، وأصدر غطيطاً مزيفاً لئلا يكلمني أحد .. كنت أريد هدوءاً وتركيزاً وتأملاً في وضعي الجديد .. لعلي كنت أحاول أن أضبط نفسيتي لتتماشى مع ما يحصل .. لعلي كنت أريد أن أرثي لحالي بعض الشيء دون أن يعظني أحد لا يشعر بمصابي .. وبفضل الله كل مرافقيّ أدوا عملاً جيداً .. كانوا يأتون لي بالقهوة والفطائر دون أن أطلب ، يصغون جيداً لما يقوله الطبيب ، لا يتكلمون أثناء العودة إلا إذا تكلمت أنا وأبديت مخاوف أو قلقاً ، يذكّرونني في المساء بما قاله الطبيب ، ويتحملون “معابطتي” بصبر إذا كذبتهم فيما أخبروني به إذ أني “لم أسمعه”!!

بعض المرافقين يكثرون الكلام ، ويحسبون أنهم بذلك يشغلون ذهن المرض عن حاله .. والحقيقة أنهم يشوشون عليه تفكيره ، وقد يستحي هو أن يطلب من مرافقه الصمت.

فيما عدا ذلك فكن على سجيتك مع المرض وتكلم ما لم يكن متعباً أو تعرف من شخصيته أنه يفضل الهدوء .. أقول ذلك لأن بعض الناس يحبون – أصلاً- أن يحيطوا أنفسهم بالناس وقت مرضهم ، في حين يفضل البعض الآخر الهدوء والعزلة .. وفي نهاية المطاف ، عليك أن تقدم للمريض ما يحتاجه ويناسبه هو ، لا ما يناسبك أنت .

لكن انتبه .. حتى لو كان المريض يرغب بالكلام إلا أن هناك “لاءات” يجب عليك أن تجتنبها .

– تجنب : “لا تقلق” و “لاتخف” .. أنت تعلم جيداً أنه خائف وقلق : من الكيمو ، من الغثيان ، من فقدان الشعر ، من الموت .. إذا طلبت منه ألا يخاف فأنت تطلب منه مستحيلاً يعجز عنه فتزيد من أحماله . لا تعلم أنه خائف أو قلق ؟ معك حق .. ” الي يده في الموية مش زي الي يده في النار” . لذا لا تغضب لو أقصاك أو امتنع عن استعانته بمساعدتك .. إذا أفضى لك بقلقه أو خوفه فاستمع فقط ، ولا يلزم أن تعطيه رداً أو رأياً أو حلاً .. هو يحتاج إلى الكلام فقط ، وعليك أنت الاستماع .

– تجنب : “لا تبالغ” فهذه مدمرة .. بعد عدة جلسات من الكيماوي لاحظت أني صرت كثيرة النسيان وقليلة التركيز .. كنت إذا لم أعبر عن الفكرة التي تدور بخلدي في وقتها مباشرة فإنها سرعان ما تطير ولو أخرتها لبضع ثوان .. كان هذا الأمر يصير حنقي جداً ، إلا أن ما كان يثير غضبي الشديد حين كنت أشتكي لأحد أولادي فيقول لي بطريقة لا مبالية : لا تبالغي يا أمي .. ليس الأمر كما تقولين . ويشرع في ذكر تفسير يراه علمياً يبرر هذا النسيان : إما بسبب السن ، أو بسبب تراكم الضغوط أو لأي شيء .. كنت أشعر بالعجز والقهر.. كبرت فجأة مثلاً ؟ تراكم الضغوط يجعلني أبدو وكأني مصابة بالزهايمر ؟ كنت أعلم أنه يفعل ذلك ليزيل من ذهني أي إيحاء سلبي بأن هذا بسبب المرض ، ولكني كنت أغضب جداً منه لأن كلامه كان يشعرني أني “أتدلع” وأنا أبعد الناس عن حب ذلك .. إلى أن اطلعت في إحدى المواقع الأمريكية عن ما يسمى بـ chemo brain والذي يحكي عن حالة التشوش الذهني الذي يصيب من يتناول الكيماوي .. وكم كانت فرحتي بالغة وأنا أقرأ ذلك ، وفي المرة التالية التي اشتكيت فيها من النسيان ، وشرع في ديباجته المعتادة ، قاطعته بلهجة المنتصر وأبلغته بالمعلومة الجديدة .. لابد أن أعترف أنه لم يعد بعد ذلك إلى تفسيراته الخنفشارية .. ببساطة لأني لم أعد إلى شكواي بعد أن عرفت السبب .. فقد بطل العجب !

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫6 تعليقات

    1. ولدي مات بعد الكيمو وكان يبغى الوحده والعزله يبغى الهدوء مايبغى الا القرآن
      كان ينسى كثير ويسأل ليش انسى
      الله يرحمه برحمته ويشفي كل مريض على هذا المرض وعلى تعب الكيمو

  1. يالله!
    مقالك يصف تماما ما اشعر به ..و اريده!
    بعد كل جملة اقول في نفسي (صادقه!) (بالضبط!) هههههه

    اعتقد بأني سوف اقوم بطباعته و توزيعه لجميع من حولي 🙂

    الله يتمم عليك عافيتك و يسعدك استاذة هنا :*

  2. الله يعطيك العافية والله تماما كأني أقرأ تجربتي مع هذا الداء.. ولم ينفع معي حتى شربت حليب إبل مع بولها كوب كل صباح أربعين يوما.. ولله الحمد تعافيت لي أكثر من سنتين..الله يشفي كل مريض ويجعله تخفيف ذنوب يارب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق