الرأيمقالات الصحف

دولة بلا قانون.. مسرحية في أتوبيس

الفصل الأول

الطريق من مدينة (أكسفورد) إلى (لندن) غاية في الجمال، يشق تلك الروابي الخضر الخلابة، وحين تكون السماء ملبّدة بالغيوم ورذاذ المطر يتساقط، وأنت في أتوبيس أنيق تشرف وأنت فيه على ما حولك، يصبح المشهد غاية في الإمتاع، وتتمنى أن يقف الأتوبيس لتمشي على قدميك في تلك الروابي الخضر الجميلة تحت رذاذ المطر.
كان (أبو راشد) مستمتعاً بالرحلة، مستغرقاً في التأمل، يسرح بناظره عبر ذلك الامتداد الأخضر الذي يجلله السواد البعيد، حين ذكَّره صديقه (أبو مازن) برفيقهما (إسحق) الجالس بجوارهما، وحينئذ التفت أبو راشد لإسحق وابتسم مرحباً:
أبو راشد: أهلاً أخ إسحق، قال لي أبو مازن إنك تعمل في أحد مكاتب المحاماة الكبيرة في بريطانيا، وتريد أن تستفسر مني عن أمور تخص وطني السعودية، فتفضل.. ماذا تريد..؟؟
إسحق: أريد أن تتكرم علي بعنوان السلطة التشريعية لديكم.
أبو راشد: ليس لدينا سلطة تشريعية.
إسحق: ماذا..؟؟!! ليس لديكم سلطة تشريعية..؟! ماذا لديكم..؟؟ أريد عنوان الجهة التي تُصدر القوانين.
أبو راشد: ليس لدينا قوانين.
إسحق: ليس لديكم قوانين ولا سلطة تشريعية.. ماذا لديكم..؟
أبو راشد: لدينا أنظمة وشرع.
إسحق: لا أريد الأنظمة.. أريد القوانين.. وما هو الشرع؟
أبو راشد: لماذا تريد القوانين التي لدينا..؟؟
إسحق: مكتب المحاماة الذي أعمل فيه هنا سيتولى قضايا بعض الإنجليز الذين يعملون لديكم، وقد كلفني المكتب أن أشرف على هذه المهمة.
أبو راشد: وماذا تريد..؟؟
إسحق: أريد القوانين المعمول بها في المحاكم لديكم.
أبو راشد: تلك القوانين التي تبحث عنها ليست لدينا، ولا داعي لأن تراسل أحداً في السعودية لأنك لن تجد ما تريد.
إسحق: عجيب..!!! وماذا عنكم إذن..؟؟!! إلى ماذا يستند القضاة في أحكامهم.
أبو راشد: على الشرع.
إسحق: الشرع..!!! وما هو الشرع؟؟
أبو راشد: ألا تعرف القرآن الكريم.
إسحق: بلى.
أبو راشد: وألا تعرف السنة النبوية.
إسحق: السنة النبوية..!!!
أبو راشد: يعني أحاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم).
إسحق: تقصد أن القوانين موجودة في القرآن والسنة..؟؟
أبو راشد: لا.
إسحق: إذن كيف يستند القضاة على القرآن والسنة..؟؟
أبو راشد: باستنباط القوانين منها، وبالاجتهاد فيما ليس له أحكام يمكن استنباطها، وبالقياس على الأحكام السابقة.
إسحق: لم أفهم ..!!!
أبو راشد: تقرأ القرآن والسنة وتستنبط الأحكام التي سميتها قوانين منهما، وتجتهد فيما ليس فيه أحكام.
إسحق: هل هذا ممكن..؟؟
أبو راشد: لا أستطيع الإجابة، فهذا ليس تخصصي، بل تخصص القاضي والمحامي، أي تخصصك أنت.
إسحق: هل تتكرم عليّ بنسخة من القرآن والسنة..؟؟
•••
نظر أبو راشد لصديقه (أبو غسان) مندهشاً، فقال أبو غسان: سنزوّد الأخ إسحق بنسخة من الكتاب والسنة، فهو عزيز علينا.
•••
أبو راشد: كيف..؟؟ ومن أين..؟؟
أبو غسان: نحن الآن ذاهبون إلى لندن وسنظل فيها أربع ساعات، وأعرف مكتبة سنجد فيها المطلوب، والأخ إسحق سيعود معنا إلى (أكسفورد) في نفس الرحلة، وسنعطيه المطلوب.
•••
توقف الأتوبيس بعد برهة من الوقت بجانب سور (الهايدبارك) في (لندن) ونزل الثلاثة، وذهب إسحق إلى حال سبيله، أما أبو راشد وأبو غسان فدخلا الهايدبارك، وكان أبو راشد يقول طيب إنه لم يسألني عن الدستور.
•••

الفصل الثاني

في المكتبة في لندن أحضر عامل المكتبة مجلدات صحيح البخاري، ثم مجلدات صحيح مسلم، ثم مجلدات صحيح ابن خزيمة، ثم مسند أحمد الذي تبلغ مجلداته في حدود خمسين مجلداً، ففتح أبو غسان فمه من فرط الدهشة ورفع يده وهو يقول..
•••
أبو غسان: خلاص.. خلاص.. سنأخذ كل هذا..؟
أبو راشد: نعم.. وهذا جزء من السنة.. هناك مجلدات كثيرة باقية من السنة.. وهناك تفاسير القرآن الكريم.. وهذا كله ليس هو الشرع.. هناك كتب الفقه.. وكتب الأئمة، ولو أردنا أن نوفر لـ(إسحق) كل ما يحتاجه القاضي والمحامي من المراجع الشرعية لاحتجنا إلى شاحنة، بل الشاحنة لن تأخذها.
أبو غسان: لا..لا.. يكفي هذا.. أنا واثق أن إسحق لن يستطيع الرجوع إلى كل هذه الأسفار.
•••
أخذ أبو راشد وأبو غسان تلك الأسفار في عدة كراتين وركبا سيارة أجرة، ونزلا عند أتوبيس العودة لأكسفورد، وأراد عامل الأتوبيس أن يضع الكراتين في الخزانة السفلية، فترجّاه أبو غسان أن يضعها فوق في الناحية الخلفية لتكون بجانبهما، وجاء إسحق وصعد الأتوبيس معهما، وشاهد الكراتين والعامل يضعها، فالتفت نحو زميليه، وقال:
•••
إسحق: كل هذا اشتريتماه..!! ملابس وأجهزة كهربائية..؟؟
أبو غسان: لا.. هذه نسخة الكتاب والسنة التي طلبتها.
إسحق: معقول..!!! كم مجلداً؟
أبو راشد: مسند أحمد وحده خمسون مجلداً، وفيه ما لا يقل عن أربعين ألف حديث.. هذا غير صحيح البخاري وصحيح مسلم وصحيح ابن خزيمة وغيرها وغيرها.
فتح إسحق أحد الكراتين وأخرج مجلداً من مجلدات صحيح البخاري وأخذ يقرأ، يقلب الصفحات ويقرأ، وبعد خمس دقائق.
إسحق: أين القوانين..؟؟
أبو راشد: ألم أقل لك..؟؟ القوانين أنت تستنبطها مما تقرأ..؟
إسحق: والقاضي يستنبط مثلي..؟؟
أبو راشد: نعم.
إسحق: وإذا اختلفنا في الاستنباط..؟؟
أبو راشد: لا أدري.. قلت لك.. هذا ليس تخصصي.. تخصص القضاة والمحامين.
•••
وفتح إسحق كرتوناً آخر وأخرج مجلداً من مجلدات مسند أحمد.
أبو راشد: هذا مسند أحمد، مجلداته في حدود الخمسين مجلداً، ويضم ما يقارب أربعين ألف حديث.
إسحق: أربعين ألف حديث.. لابد أن أقرأها كلها وأستنبط القوانين منها.
أبو راشد: ولابد أن تعرف الحديث الصحيح من الضعيف.
•••
وفتح إسحق كرتوناً ثالثاً وأخرج مجلداً من مجلدات صحيح مسلم، وظل يقلب الصفحات ويقرأ، ومكث على هذه الحال عشر دقائق، ثم أعاد المجلد للكرتون، ولم يأخذ مجلداً آخر، بل وضع كفيه على فخذيه وأطرق برأسه.
أبو راشد: هاه.. هل استنبطت قوانين..؟؟
إسحق: لا.. لم أستطِع.. كيف يقرأ القضاة كل هذه المجلدات ويستحضرونها في أذهانهم ويستنبطون منها الأحكام..؟
أبو راشد: قلت لك لا أدري.. لست متخصصاً.. هذا تخصصكم.. ثم إن هذا الذي أمامك ليس كل شيء، إنه لا يمثل ربما سوى 10% من المراجع المطلوبة أو ربما أقل.
إسحق: هناك غير هذا؟
أبو راشد: نعم.. قلت لك هناك كتب تفاسير، وكتب الصحاح والأسانيد الأخرى، وهناك كتب الفقه، وكتب الأئمة، وكل هذا ليس كافياً.. فهناك الاجتهاد والقياس.
إسحق: الاجتهاد والقياس.. وما هو الاجتهاد والقياس..؟
أبو راشد: هناك كثير من القضايا الجديدة وغير الجديدة لا وجود لها في كل هذه المراجع، ولابد أن يجتهد القاضي ويُصدر الحكم بناءً على اجتهاده، وأحياناً يقيس على أحكام سابقة لمجتهدين غيره من الأئمة السابقين.
إسحق: يجتهد..؟؟ كيف..؟؟ وإذا خالف اجتهاد القاضي اجتهاد المحامي..؟؟
أبو راشد: قلت لك لست متخصصاً حتى أجيبك.
إسحق: هذي مسألة صعبة.. لا.. مستحيلة.. وبالذات على المحامي.. والله مشكلة.. ماذا أعمل..؟
أبو راشد: لكن يا أخ إسحق أنت ليه تكلف نفسك؟! ريّح بالك.. أصلاً حتى تمارس المحاماة عندنا لازم تأخذ رخصة من وزارة العدل، والرخصة لها شروط، أكيد لن تنطبق عليك.
إسحق: لا أنا مطلوب مني فقط أدرس القضايا وأبين رأيي.. وما عندي عمل في المكتب غير هذا.. إما أن أقوم بالمهمة أو أستقيل.
•••
ظل إسحق ساهماً طيلة بقية وقت الرحلة، يقلِّب يديه أحياناً ويحدِّث نفسه، وأبو غسان ينظر له وينظر لـ(أبو راشد) ويقول بصوت ضعيف وهو يهزّ رأسه: الله يستر، ووقف الأتوبيس في المحطة، ونزل الرفاق الثلاثة، وأنزل العامل الكراتين، وانتظر أبو غسان وأبو راشد من زميلهما إسحق أن يأخذ الكراتين معه، لكنهما فوجئا به يمضي في حال سبيله وهو يحرك يديه ويحدِّث نفسه.
بعد يومين قدم إسحق استقالته من العمل، وتفرغ لتأليف كتاب بعنوان «دولة بلا قانون»، أما أبو راشد فكتب ملاحظة تقول : لابد من سلطة تشريعية، أما أبو غسان فوضع يافطة على منزله مكتوباً فيها (نسخة من الكتاب والسنة للبيع).

 

الشرق

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. أحلم بمجلس أمه منتخب يشرًع القوانين ويسقط الوزراء والحكومه ويحاسبهم ….وهيئة كبار علماء منتخبه من خريجي الكليات الدينيه ولا يحق لغيرهم الإنتخاب ولهيئة كبار العلماء هذه حق الفيتو على قرارات مجلس الأمه في الجوانب التشريعيه ودخول الإتفاقات الدوليه نعم يكزن لكبار العلماء حق الفيتو فقدرنا دوله إسلاميه يتجه لها العالم اٍلاسلامي كل لحظه وحين ولا نتخيل ولا نقبل غير ذلك

  2. لكي تتم حبكة المقالة “المسرحية”، نسى أو تناسى أستاذنا الدكتور عبدالله الفوزان، أن كل تلك الكتب والمراجع، موجودة على الإنترنت. وممكن جميعها تنزل (download) على أسطونة “دي في دي” وأحدة. دون الاضطرار إلى الذهاب للمكتبة أو شراء و حمل تلك الكتب في شاحنة أو كراتين. ومع ذلك أتفهم مغزى المقالة، بل، إلى حد كبير، أؤيد التقنين، إذا تم بطريقة إحترافية ونزيهه.

  3. الله المستعان بربره وإطالة ليس لها أي معنى .

    ياخي مين قال إن كل واحد أخذ حيز للكتابة أنه كاتب مبدع للأسف اغلب الذين أعطوا الفرصة للكتابة في الصحف والمجلات من أجهل الناس واقلهم فكرا وعلما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق