خواطر ناجية من السرطان

وأخيراً ركبت القارب

هناء بنت لقمان يونس

في مراهقتي ، أذكر جيداً أني كنت أجد متعة في ركوب القوارب والدبابات مع إخواني ، وكنت أستمتع كثيراً بالسرعات العالية للسيارات ، وببعض من السباحة والغوص في بحر جدة قبل أن يزدحم بكل تلك المباني والبشر ..

وكلما تقدمت في السن كانت العلاقة طردية في تنامي الخوف من هذه الأشياء ، حتى صرت – لسبب أجهله- أخشى ركوب البحر ، خاصة وأني لا أجيد السباحة ، وأخاف من تجربة أشياء جديدة تفادياً لحدوث أي تجربة مؤلمة ، جسدياً أو معنوياً .

أعترف أني كثيراً ما كنت أرقب الآخرين بشيئ من الحسد مغلفة بالغبطة لقدرتهم النفسية على فعل هذه الأشياء .. كثيراً ما كان أولادي يركبون القارب وأنتظرهم على الشاطئ تتابعهم عيناي وتصل إلى آذاني أصوات صياحهم والقارب يتقافز فوق الأمواج المرحة . راودتني نفسي عدة مرات أن أصاحبهم ، فكنت أتخاذل في الوقت المناسب ..

لا أحصي عدد المتع التي حرمت نفسي منها إما بسبب الخوف أو الانشغال بأشياء أهم .. أهم من متعتي الذاتية كزوج وأولاد وأهل ..

حتى أصبت بالسرطان في الثالثة والأربعين ..

على الرغم من ممارستي الرياضة وعدم تعاطي التدخين وإنجاب وإرضاع سبع من الأطفال ، أصبت بالسرطان !!

عندها علمت أن الحذر لا يغني من القدر ، وأن ما شاءه الله كان ..

شعرت فجأة أن حياتي تتهاوى أمامي ..

شعرت أني ضيعت الكثير من المتع ( المباحة ) التي لم أكافئ نفسي بها ..

ولكن هيهات أن أفعل الآن وقد أصبت بالسرطان وما يليه من علاج كيماوي يهد القوة ويتعب النفسية وعمليات جراحية وعلاج إشعاعي مرهق ..

في تلك الفترة قرأت جملة :” إنك لن تستطيع أن تقرر متى ستموت وكيف ، ولكن تستطيع فقط أن تقرر كيف ستعيش الآن ” .. طرقت هذه الجملة ذهني كثيراً ..

نعم .. ما دامت لي بقية من عمر فلأعشها في سعادة ، مهما طال العمر أو قصر ..

من العبث أن أضيع حياتي كلها لأن فكرة واحدة لم تتحقق ، وهي الصحة الكاملة ..

لم أنتظر حتى أنهي كل علاجاتي ، فبدأت في أثناء العلاج الإشعاعي بحلمي الأول والحبيب إلى قلبي : إكمال الدراسة الجامعية التي انقطعت عنها بعد مجيء ابني الأول منذ ربع قرن !!

وعلى الرغم من أن الدراسة قد تلهيني بعض الشيء عن أداء واجباتي المنزلية على أتم وجه ، ولكني كنت أفكر أن الآن هو دوري لتحصيل بعض المتع ، وعليهم أن يصبروا قليلاً .

وشيئاً فشيئاً بدأت أتعاطى بعض المرح المخيف بحذر مشوب باستمتاع ..

صرت أقود السيارات ( في البر ) بسرعات عالية قريباً من الطعوس فتقفز سيارتي في الهواء وترتطم رؤوس مرافقاتي في السقف .

ركبت الدبابات لأول مرة ( ودعست ) وأنا أتعجب من هذه الجرأة التي ما عهدتها فيّ منذ أمد بعيد .

ولا أنسى أول مرة ركبت فيها قارباً في ينبع ، حين طلبت من القائد أن يمشي بسرعة منخفضة ، ثم لا زلت أطالبه بزيادة السرعة شيئاً فشيئاً لأقف في مواجهة الريح ، يعانق رذاذ الماء وجهي ولأفتح قلبي للحياة من جديد ..

صحيح أني لا زلت أهاب ركوب ما يسمى ( قطار الموت ) في مدن الملاهي ، ويرتفع ضغطي كلما زادت سرعة السيارة عن 140 كلم/ساعة . صحيح أني إلى الآن لم أستطع أن آكل الأخطبوط حياً أو ميتاً ، ولكني على الأقل بدأت أستعيد استمتاعي بالحياة ..

الخلاصة : لا تدع مرضك أو حزنك أو فقرك أو طلاقك أو أية ظروف صعبة تمنعك من الاستمتاع بحياتك ..

هناك جوانب كثيرة مضيئة ..

لا تظلم حياتك باختيارك !

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. ياه ،
    لامست احرفك الكثير .. رغم أني لازلت في بداية العشرين !
    إلا أني أجد وقتي للتسليه قليل جدا مع ضغوط الدراسه و السعي لتنفيذ الخطط المستقبليه ..
    شكرا جدا استمعت بالقراءة وكأني عايشت تلك المغامرات رغم ضيق وقتي لأني لم أنتهي من الدراسه لاختبار الغد ♡
    طاب يومك ياملهمه ♡

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق