الرأيمقالات الصحف

كلام «شيّاب»

يفترض أن تحوي هذه المقالة حديثاً مهماً، لكن الهامشيين أمثالي لا يجدون قولاً حكيماً، فلا تجارب حياتنا مختلفة ولا تجارب الآخرين ملهمة، ننام ونصحو أعواماً متتالية من دون حدوث ارتفاع كبير إلا في فاتورة إيجار منازلنا أو رقم ديوننا، أما النقص فهو متوالٍ في العمر، وفرص حياة كريمة.

متجهون إلى مربع «عالة» على ذي قربى، دولة أو جمعيات خيرية، إذ راتب التقاعد أقل من قيمة قسيمة كافل يتيم أو ضمان حيازة دواء لا ضابط لأسعاره في صيدليات تبيعه، وكأننا نشتريه للرفاهية، والتفاخر بعدد أمراضنا.

يخلو القطاع الخاص من وجود كيانات خادمة لقدماء الموظفين فيه أو المتقاعدين باكراً، لأسباب صحية أو إعاقات ناتجة من إصابات عمل، بينما موظفو الحكومة متعلقون بعنق جمعية تحمل اسمهم، وتعيش مثلهم «جمعية في حال تقاعد»، ذلك لأن حيازة القطاع الخاص على موظف بديل من خارج الحدود أسهل من حيازة طفل يتيم على ملابس عيد.

كان في بلادنا متسع للعمل الفردي، بما فيها سقاية الماء، لم تك لقمة عيش «السقا» تحتاج أكثر من حمار و«تنكة»، وهي حاوية ماء متنقلة، ثم اتسعت دائرة البطالة حد التهام «السقا»، التنكة والحمار، لم يعد الحمار يملك حظوظ أجداده.

فتحت السبعينات الميلادية أبوابها علينا بعمالة وافدة، أصبح عددهم بعد أقل من 40 عاماً أكثر من 8 ملايين عامل «تقول الرياضيات ذلك بمعدل 2000 عامل يومياً»، التهموا كل فرص العمل الفردي، وتحول جزء كبير منهم إلى بطالة في بلاد لم تنجح في رسم خريطة طريق لتوظيف مواطنيها أو تأسيس منظومات خدمة اجتماعية تنقل مليارات الزكاة من أرصدة مصرفية متضخمة إلى مرحلة تحقيق أهداف تشريعها، فأغلب مصارف الزكاة لا تزال مفتوحة على مصراعيها، ترشد عليها أصوات مبحوحة من كثرة صراخها «فقر، مرض، يتم».

يأتي صراخنا «فقر، مرض، يتم»، ويتكرر في صحفنا، ربما من خوفنا تحقيق انزلاق سريع، فأنا شخصياً أخاف من مواجهة «يتم المُسن»، فرحيل الوطن بسماته وخدماته عن المسنين يعتبر يتماً مريراً، عندما نتحول إلى مجرد مشروع «صدقة» يستغلنا حتى ذوي القربة، من أجل الوصول إلى الجنة أو تكفير ذنوب، يرعبني أن أكون لاحقاً مجرد «كفارة».

تأمن الدول ملفات المسنين وتهملها، فلم يسبق أن سجل التاريخ «ثورة المسنين»، وكأن امتداد العمر جريمة فردية. وبالتالي، فكل مسنّ يعيش على مسؤوليته، واعتبار مصطلح رعاية الدولة للأجيال لا يشملهم، نكاد نكون كمواطنين أقرب لثقافة استهلاك السيارات، فكل ما تقادمت سنة صناعتها تصبح مجرد «خردة» لا منفعة لها، واقتناؤها عيب أولاً، وذو كلفة في صيانتها ثانياً.

يتحول كل من يقرأ هذه المقالة حتماً ذات يوم إلى مسن، ومن أجل تقريب الصورة إلى أثاث قديم، يتم الاحتفاظ به ليس لقيمته بل لقيمة الذكريات المرتبطة به أو كجهاز جوال قديم نحتفظ به، خوفاً من تسرب صورنا، يستمر ذلك طالما سياساتنا التنموية تضع المسن في خانة «ماء آسن».

الحياة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق