الرأيمقالات الصحف

نقل المعلمة

يصعب إقناع بقية سكان الكرة الأرضية بإن «نقل معلمة» من مدرسة تعمل بها إلى مدرسة تود العمل بها من أحد أكبر منغصات الحياة سعودياً، وتخضع لتعقيدات إدارية، أسهمت في تشتيت أسر كثيرة، فرقت الزوجات عن الأزواج والأمهات عن الأبناء.

يتم تعيين المعلمات قسرياً في مدارس محددة، قسوة القرار أقسى من تعيينات الثكنات العسكرية، كلمة «لا» الصادرة من المعلمة تعني حرمانها من وظيفة طال انتظارها معظم قرارات التعيين تتم في مدينة بعيدة عن مقر أسرتها «نتحدث ههنا عن مئات الكيلومترات»، وهو ما يحتم تمزيق الأسرة.

ويحدث أيضاً أن يتم تعيين سيدة مواطنة تقيم في حفر الباطن «أقصى الشمال السعودي» كمعلمة فيزياء في مدينة أبها «أقصى الجنوب السعودي» وانتزاع «أبهوية» تحمل شهادة في ذات التخصص من ديارها إلى حفر الباطن، وباب القياس متاح لدخول قرارات غبية مماثلة، بينما صانع قرارات التعيين يجلس في العاصمة الرياض تحت سقف وزارة التربية والتعليم العاجزة عن ترقية التعليم العام سعودياً أو فهم آثار الحرمان على المعلمة وأسرتها. تورط آباء كثر في مهمة رعاية صغارهم، لأن الأمهات والآباء، ولأسباب اقتصادية بحتة، يضطرون للتعايش مع «حال طوارئ» وانقسام يستمران على الأقل عام، وربما يمتدان – في السواد الأكبر – إلى أعوام، تموت فيها بيوت كثيرة، وربما تتعرض إلى تغييرات سلبية «عاطفياً» تدوم طويلاً. تكمن صعوبة نقل المعلمات في أسباب غير مفهومة للمجتمع، لعل أقربها للمنطق «افتقاد الوزارة للقدرة الإدارية» وهو عار أقل من بقية عيوب الوزارة ذات الـ200 مليار ريال ونيف، لتغطية موازنتها السنوية، وصاحبة ابتكار مناهج باللغة الإنكليزية لمواد علمية من دون التأكد من قدرة معلميها على إجادة اللغة الإنكليزية.

تعيش وزارة التربية والتعليم زهواً وغروراً، تودد المجتمع السعودي لكبار موظفيها وصغارهم من أجل نقل معلمة، ويعيش كثير من موظفيها على عروش ذهبية ونشوة القوة، بينما المعلمات الأمهات المتورطات في وجود أبناء يعانون من مشكلات صحية أو إعاقات أو صعوبات تعلم لا يجدن الرحمة المرجوة، وهو ما يزيد من تأزم حالات الأبناء، كما أن مكتباً صغيراً في وزارة التربية بالرياض يحمل اسم «حركة نقل ذوي الاحتياجات الخاصة» لا يجيد أكثر من الصراخ على نساء باكيات،

تعجز وزارة التربية عن وقف أخطاء تعيين قسري أصاب عشرات الآلاف من المعلمات، وأشك في قدرتها قريباً على إبداء حكمة أو رحمة تمنع بكاء أم بعيدة عن أطفالها، مع الإشارة إلى أن راتبها لا يزيد ريالاً واحداً عن راتب زميلة لها أصابها حظ التعيين في مدينتها.

يوشك أن يكون تعيين المعلمة بعيداً عن مدينتها «حال أسر مهني»، وقهر الإنسان للإنسان مظلمة كبرى، وسبباً في زيادة البطالة بين خريجات جامعات يصعب على زوجها أو أسرتها مساندتها في حيازة وظيفة بعيدة، بينما اضطرار معلمات لممارسة سفر يومي من منزلها إلى مدرسة تبتعد عنها 300 كيلومتر ذهاباً ومثلها إياباً في شكل يومي حكاية لا تتكرر حتى في أدغال أفريقيا.

 الحياة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق