الرأيمقالات الصحف

يوجد مكان للنساء

تتفرد السعودية بوجود أكبر عدد من اللوحات الدعائية المكتوب عليها «يوجد مكان للنساء» عند إعلان محاضرات دينية في مساجد أو قاعات كبرى، وهو نداء مشارك وحيد يصدر من كتلة متشددة تجاه مشاركة النساء، ويشكلون غالبية تأثيرية، وليست عددية.

يخضع وجود المرأة لحالات تأطير صارم في مراكز العمل داخل مؤسسات الدولة، القطاع الخاص، لدرجة أصبحت السيدة المتعلمة والمثقفة محصورة بتعليم أو تثقيف النساء صغاراً أم كباراً، بما فيها تمنع كثير من الطبيبات السعوديات من إجراء أمانتهن الطبية على الرجال، بمعنى آخر نعيش على ذات الوطن ككتلتين بينهما حاجز.

يقف كتبة «يوجد مكان للنساء» بقوة ضد وجود مكان لهن في الأسواق كبائعات أو خلف مقود السيارات أو عاملات في مصانع، حتى الجالسات خلف آلات «الكاشير» في «سوبرماركات» كبرى يتبضع منها رجال ونساء جماعات وأفراد، نالهن قذف أكثر مما رمته طائرات هتلر أثناء ليالي باريسية سوداء في حرب عالمية.

تدور المطابع السعودية بجهد متواصل لطباعة كُتيبات تحمل أغلفتها وبطونها رسائل موجهة إلى النساء، عذبة اللغة، متشبعة بنصائح ووصايا مكتوبة بحبر وصاية ذكورية على النساء حتى في جسور علاقة تمتد بين الإنسان وربه.

أتت وسائل التواصل والإعلام الجديد بصيغ إلكترونية لمحتوى الكُتيبات المطبوعة مع «حواشي» من الناقل، وكل من يعيد نقلها، أصبح الطرق على القلوب أكثر وقعاً على خريطة قناعات المجتمع بمطارق التخويف من فساد المجتمع أكثر من فساد الدين.

كان ذلك الجهد بالغ التأثير حتى أصبح النساء ينشطن ضد حقوق النساء، ويتسابقن على تجريم المبادرات منهن نحو إعادة كتابة قائمة حقوق تم شطبها توالياً خلال عقود، وشطب من شارك في كتابتها أو محاولة ممارستها من سجل وظائف أو المسموح لهن بالسفر.

يحيرني استماتة سحابة عريضة من النساء في خدمة مشروع تأطير حقوق المواطنة للنساء مع يقيني بحاجتهن، هن ذواتهن المشاركات في جبهة الضد، إلى الحقوق المرصودة في القائمة، بما فيها قيادة السيارة، العمل في بيئات مختلطة، وسيشاركن، أكرر سيشاركن في التنفع من كل حق يتم تحريره على رغم أنف آسريه.

تستمر «يوجد مكان للنساء» معلقة مع دلالاتها الكثيرة بما فيها التكرم عليهن، ومع الإشارة إلى أن الأماكن المخصصة للنساء تكون دوماً في مساحتها أصغر من المساحات المخصصة للرجال، حتى ها هنا تم هضم حق المساواة، وتم رفع مساحة شكهم حول قلة عدد النساء الراغبات في سماع «الخير».

يؤرقني معاصرتي لجدتي، وهي تعيش في باحة حقوق أكثر من أمي وأختي وزوجتي، لكن يسعدني تخيل ابنتي وحفيدتي تعيشان كجدتي في باحة أوسع للحقوق، لأن للزمن حنكته وحكمته وقدرته على تخفيف تشدد الرأي تجاه مستعصيات الواقع بمنح ألقاب رنانة، وإجلال لنساء شاركن في كتابة أدبيات أو قدمن دعماً استراتيجياً لعناصر مسلحة مغموسة أياديها وجماجمهما في بحيرة دماء أبرياء داخل البلاد وخارجها. السطر الأخير: كتابة «يوجد مكان للنساء» في إعلان لأمسية شعرية أو مسرحية أطفال، يتسبب في إزاحتها كلوحة وكلمات من حال القداسة إلى حال الدناسة، ولعل الله يكتب لنا طهارة العقول من كبائر سوء الظن.

 الحياة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق