الرأيمقالات الصحف

أنا مهزوم… لا تكلمني

اشتقت لطعم الانتصار ورائحته والاحتفال به والرقص له وغروره وكبريائه وفرحته ونشوته وإدمانه، وقبل ذلك العمل من أجله جهد العقل والجسد والتوجس والقلق والتوتر، فمنذ 20 عاماً أفتقده وأبحث عنه ولأنني مهزوم لا أجده.

تأتي، أحد تعريفات الانتصار في مفهومي، حيازة أشياء تحتاجها أو تتوق إليها، وكذلك تجاوز الوقوع في كل شيء تخافه أو تكرهه عدا ذلك فأنت مهزوم، وتتعايش مع هزيمة صغرى، خوفاً من هزائم كبرى، فتش في تفاصيل حياتك، وعدد هزائمك،

يعيش القابعون في منازل مستأجرة هزيمتهم، كذلك المتزوجون من شريك لا يحبونه، أو تمارس ضدهم إهانات إنسانية وعاطفية أو معيشية، فإذا اجتمعت الهزيمتان انكسر ظهر، وتناقص عمر.

يحتاج كل انتصار إلى عتاد حرب، تُمثله في حياتنا اليومية مجموعة تشريعات وقوانين وخطط تنموية وحظوظ تعليمية وفرص مهنية، وغيرها من قائمة مهمات حكومات تتعرض شعوبها وجيوشها للهزيمة، إذا أخفق القادة في مهمة ترقية الأمة والوطن،

يفتقد الشارع العربي لمشاهد احتفاليات انتصارات جماعية أو فردية، كثيرة هي المدن المهزومة، المتسارعة نحو الشيخوخة على رغم حداثتها الزمنية، فعدم حيازة المدينة على استحقاقاتها التنموية يعني هزيمتها، نتيجة افتقادها «أشياء تحتاجها»، فالمدن وإن كانت مبنية بالحجر تمتلك روح بشر، والمدن المهزومة تحتضن بشراً من حجر.

تهديك ملامح وجوه العابرين في الطرقات قناعات بأن كل واحد منهم مهزوم بطريقته، أجسادنا أكفان لأرواح مهزومة، وباتت جراح كبارنا في السن غير قابلة للاندمال، لأن الجرح إذا وقع على الجرح أصبح بصمة لا تفارق الجسد.

تزودنا شاشاتنا وصحفنا بتغطيات يومية عن أقوام يحتفلون بانتصارات متنوعة، هناك وراء البحر على أراضٍ توارثت جماعاتها والأفراد حقوق انتصارات الأجداد في حروبهم ضد متطلبات الحياة اليومية، «السكن، التأمين الصحي، العدالة القضائية، التفرقة، العنصرية، سطوة النفوذ، الأمية العلمية، البطالة الجماعية، تجاهل المواهب، انتقاص الميزات الفردية، وتحقير حقوق المواطنة»، ثم تفرغوا لصناعة ثقافة الانتصار رياضياً، صناعياً، ثقافياً، علمياً، فنياً، زراعياً، يقضون حياتهم هناك ليس للتعايش مع الهزيمة بل للعيش مع الانتصار والرقص له.

أفتقد في بلادي «السعودية» مشهد الانتصار، لا أراه، بحثت عنه في كل الزوايا في مدن وأحياء سكنية وشوارع وتلفزيون وصحف ووجوه الناس حتى بين أطياف عطورهم لا أشمه، كل العطور الباريسية والعربية حاضرة إلا عطر الانتصار، بخاصة لدى ملايين من نساء مولودات في بيئات مهزومة، يتعايشن مع طقوس الهزيمة عاطفياً ومهنياً وحقوقياً، وليس أشد قسوة من قراءة توقيع الهزيمة على وجه فتاة جميلة

يصبح المهزوم منتصراً في عيون من هم أكثر منه هزيمة، هذا عزاء وحيد لمجتمع يمتلك اتساعاً مهولاً للهزيمة، يستوعب مستويات متعددة، حتى في الهزيمة أصبحنا طبقات، وباتت مقولة «احمد ربك» دلالة على أن حظك يتجه إلى الغناء مع عبدالحليم حافظ «إني أغرق، أغرق» مع استبدال الماء بالأقدام.

يدلل شيوع الهزيمة على أن «الأوكسترا» لا تجيد عزف التنمية والقوانين وحماية الأفراد اقتصادياً ومهنياً وصحياً ومعيشياً، نعم، نعم نسمع ضجيج موسيقى، لكنه غير انتصاري، فللبكاء والنواح سلّم موسيقي أيضاً.

ينتصر اقتصاد الدولة إذا انتصرت مؤسساتها الصغيرة والمتوسطة، كذلك تنتصر الأمة إذا استطاع أفرادها تحقيق انتصارات صغيرة أو متوسطة، فإذا أردنا الانتصار على بقية الأوطان، فلننصر افردانا.

 الحياة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق