الرأيمقالات الصحف

الحارس الفكري!

نصح شيخ مشهور يحمل شهادة الدكتوراه الشباب بأن لا يذهب الواحد منهم إلى معرض الرياض للكتاب إلا بصحبة شخص خبير يدله على الكتب المفيدة ويحذره من اقتناء الكتب الضارة، وهذا شكل مبتكر من أشكال الوصاية على العقول فالقدرة على تمييز الخبيث من الطيب هي أبسط وظائف العقل البشري التي يقترح هذا الشيخ مصادرتها واختصار الأمر على كل شاب بأن يسلم عقله لمحرم فكري يقرر ويختار ويفرز بالنيابة عنه!.

لا يمكن أن تعرف كيف يكون الكتاب ـ أي كتاب ـ مضرا بالعقل فحتى الكتب التي قد تحمل أفكارا سيئة ـ من وجهة نظر الشيخ ـ يمكن أن تكون مفيدة لمن يقرؤها فمن خلالها يتضح له ضعف حجة الطرف الآخر وانحرافه الفكري ويتلمس مواضع الخلل الفكري هنا وهناك، بل إن الكثيرين من علماء الإسلام كانوا يحرصون على قراءة الكتب (المخالفة) للرد عليها أو لتوضيح خطرها، ولكن الشيخ ـ جزاه الله خيرا ـ ينظر إلى الفائدة والضرر بعين مختلفة، فالأسهل بالنسبة له هو إفراغ العقول من كل الأسئلة كي يسهل حشوها بما يظنه صحيحا، فهو يرى أن عقل الشاب مثل المساحة الخالية التي يمكن أن تستوعب الكثير من المتناقضات لذلك فمن الأفضل التحكم بمحتوياتها منذ البدء بدلا من تكبد صعوبات نزع الأفكار السيئة من خلال التحليل والمقارنة، لذلك وجد الحل في أن يوفر الشاب حارسا شخصيا تكون مهمته حماية عقله من أي فكرة ماكرة قد تكلف الشيخ في المستقبل جهدا إضافيا في نزعها حين يبدأ بمهمة الحشو!.

والحق أن الشاب الذي يحتاج وصيا فكريا وحارسا عقليا يختار الكتب بالنيابة عنه لا يحتاج الذهاب إلى معرض الكتاب بل يكفيه أن يدخل الموقع الإلكتروني لهذا الشيخ كي يتعرف على الكتب التي تفيده ويبتعد عن أي كتب أخرى لأنها بالضرورة سوف تلحق الضرر بعقله البسيط، وهكذا يحمي عقله وفي الوقت ذاته يخفف الزحام في معرض الكتاب لأن عدد الزوار بالطريقة التي يقترحها الشيخ سوف يصل إلى الضعف فكل زائر معه حارس فكري ينتقي له الكتب فتزدحم القاعات وتمتلئ مواقف السيارات بينما تتضاءل العقول وتتراجع مبيعات الكتب.

مشكلة هذا الشيخ وغيره أنهم لا يريدون تصديق حقيقة أن شباب اليوم لا يحتاجون الذهاب إلى معرض الكتاب للحصول على أي كتاب يمكن توفيره عبر شبكة الإنترنت وبأن الفكرة تواجه بالفكرة والكتاب يواجه بالكتاب والرأي يواجه بالرأي وأن العقل البشري لا يمكن حراسته بهذه الطريقة المضحكة، ولكنه باختصار يريد أن يمارس الوصاية السهلة التي لا تحتاج أي مجهود فكري أو علمي من قبله ..عقل فارغ وحارس يحافظ على الفراغ كي تسهل عملية الحشو.

عكاظ

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق