الرأيكتاب أنحاء

من أنت لتقل ذلك؟

عبارة (من أنت لتقل ذلك) فيها من التسطيح والاستخفاف بالعقول كما تعبّر عن سوء عقلية المتلقي . فهو – المتلقي – بذلك يقوم بـ شخصنة الموضوع ، ليصبح الاهتمام بالشخص عوضاً عن الاستعلام الموضوعي.

المفكر السعودي وعضو مجلس الشورى الاستاذ ابراهيم البليهي يسعى جاهداً في الفترات الاخيرة إلى تنوير وتثقيف المجتمع بما يسمى بـ (البرمجة العقلية أو الثقافية). فيقول في اخر محاضرة له في أبوظبي ” أن الثقافة باعتبارها معطى تلقائياً وقبلياً تنطلق من مسلمات لا تفتأ تصبح جهالات تعتقد أنها معرفة مطلقة، أو حقائق مطلقة، بينما هي مجرد جهالات تصب في مصلحة العقل الجمعي، وأن أي معرفة جديدة تشكل في البداية صدمة، ثم مع الوقت يبدأ العقل الجمعي يتقبلها شيئاً فشيئاً ثم تصبح مشاعة ومعروفة بشكل متداول”.

بمعنى آخر، فإننا ننساق خلف ماترسب في عقولنا حتى ولو كانت خاطئة باعتبارها مسلمات لايمكن الخوض فيها. وهذه الترسبات تشكلت منذ ولادتنا متأثرة بالمجتمع والقبيلة و(عيال الحارة) …. وشيوخنا! فنصاب بصدمة ثقافية وفكرية عندما تستقبل عقولنا أفكاراً جديدة لم تكن فيها من قبل. ويوعز السبب في ذلك حسب الأستاذ ابراهيم البليهي في أن التشكيك في رواسب عقولنا هي في الحقيقة تشكيك لذاتنا. فلا نتقبل الحقائق لو كانت مخالفة لما في عقولنا لما تمتلك هذه الترسبات من قوة اكتسبتها عبر الزمن. وهذا شرح مبسط لنظرية البليهي القائلة “العقل يحتله الأسبق إليه”.

نلاحظ بأن المجتمعات تقوم بسلوكيات وأفكار متشابهه ومتقاربة جداً وكأنهم عاشوا في منزل واحد. فكل مجتمع له خصائصه التي تشكلت من خلال مؤثرات خارجية كالإعلام ومؤثرات داخلية كالتربية في المنزل. وبالتالي يصبح الفرد في مجتمع ما يشبه نظيره في نفس المجتمع من ناحية الفكر الثقافي. ولكن نفرٌ قليلٌ من كل مجتمع يلحظ ذلك السلوك الجماعي مكوّناً معتقداته وفكره الفردي الخاص محاولاً الابتعاد قدر المستطاع عن المؤثرات التي شكلت أفكار المجتمع. فيصبح (غريباً) في المجتمع وحيداً. ومثل هؤلاء موجودون في كل مجتمع، يؤمنون بقواهم الداخلية ويتواضعون أمام المعلومة. فلا يسلّمون لها ولا يرفضونها بل تُطرح محل نقاش وبحث ممنهج.

ماأحاول الرمي إليه هو أن الجملة التهكمية (من أنت لتقل ذلك) تؤكد بأن الفرد لا يجتهد لمعرفة الحقيقة بل يسلم لها كلٌ حسب الشخص المصدّر لهذه المعلومة. فيصبح دون أن يشعر تابعاً للأكثرية، مقلداً للأغلبية.  يشعر بالأمان والطمأنينة لأن الجميع من حوله يسلك نفس النهج.

الحكمة:

يقول الشيخ سلمان العودة : “لو أن أفكارك قبل عشرون عاماً كانت هي نفسها أفكارك الآن، فهذا يعني ضياع عشرون عاماً من عمرك”. افتح أبواب عقلك لتمحيص كل معلومة داخلة حتى لو كان ذلك سبباً في غربتك ووحدتك كما حدث مع كثير من العلماء المنفيين والمسجونين الذين ساهموا في تطوير الأمة ومازالوا أساطير الزمان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق