الرأيكتاب أنحاء

عقد إم بي سي:11 سبتمبر إعلامي

أثار عقد نقل الدوري السعودي الممنوح لمجموعة إم.بي.سي جدلا واسعا يدور حول تكافؤ الفرص والشفافية. وقد أشبعت هذه الزاوية بحثا لدرجة تصور للمتلقي أن الثقافة السائدة تقدس الشفافية وتكافؤ الفرص وان العقد الممنوح تسلل على سبيل الاستثناء، لذا نتطرق هنا إلى زاوية أخرى.

في اللحظة التي حازت فيها مجموعة إم.بي.سي على حقوق الدوري السعودي، وقعت – بقصد أو بلا قصد – على شهادة وفاة التلفزيون السعودي الرسمي. فقناة إم.بي.سي أكثر وقعا – داخل المملكة – من القناة الأولى، وقناة العربية أقوى تأثيرا من (الإخبارية) الرسمية. ولم يكن هناك مبرر للإقبال على المحطات الرسمية سوى بثها للدوري السعودي بمنحة ملكية، وبعد زوال السبب لن يكون هناك مبرر لحياتها.

لن يتباكى أحد على اللبن المسكوب، فالتلفزيون خذل المسؤولين وعلى رأسهم وزير الثقافة والإعلام الذي اجتهد لتأسيس هيئة الإذاعة والتلفزيون علها توفر الانطلاقة المرجوة للمحطات الرسمية، لكن إدارة الهيئة لم تستثمر ذلك. كما أن صاحب الاستحقاق (رابطة دوري المحترفين) عبر عن استيائه من التلفزيون السعودي وقنواته الرياضية علنا عبر رئيس الرابطة محمد النويصر مطلع العام الجاري. كان التلفزيون السعودي شحيحا في الإعلان عن الدوري، فانتهزت إم.بي.سي ذلك بتوفير سنوي يقدر بنحو 100 مليون ريال نقدا بإعلان مجاني عن الدوري في قنواتها.

ربما يجادل البعض المسؤولين على طريقة منحهم حقوق الدوري لـ إم.بي.سي _ التي وصفها رئيس اتحاد كرة القدم أحمد عيد ب “القرار السيادي” _ على الرغم من عدم اعتراض أحد عند ذهاب المنحة للتلفزيون السعودي قبل ثلاث سنوات، لكن الجميع يعلم أن خروج الدوري السعودي من التلفزيون السعودي مكسب للكرة السعودية تجاريا وللمشاهد السعودي تقنيا.

سيتحول التلفزيون السعودي في المستقبل المنظور إلى قيمة أرشيفية بعد أن هجرته كافة الشرائح، وهذا ما يدركه المسؤول قبل غيره يوم اتخذ قرارا بأن تكون إم.بي.سي هي الواجهة التجارية للخطاب الرسمي، ولعل أهم أسباب قراره الكفاءة الإعلامية للمجموعة وخطابها التنويري إضافة إلى تحررها من ضغوط التيار الإسلاموي – بحكم انتمائها الى القطاع الخاص وتواجد مقرها الرئيس خارج المملكة – على عكس التلفزيون السعودي.

على هيئة الإذاعة والتلفزيون أن تفكر – في هذه المرحلة – بأن تعيد هيكلة نفسها لتتواءم مع واقعها الجديد، فهي لن تجد اهتماما من الحكومة يتعدى دفع الرواتب، أما الضخ المالي الهائل فلم يعد له مبرر خصوصا مع رائحة الفساد المالي والإداري التي تزكم الأنوف.

ماذا عن المحطات الأخرى المنافسة؟ يجب أن يدرك المتنافسون في المشهد الفضائي أن موقع المركز الأول قد احتكرته مجموعة إم.بي.سي لعشر سنوات قادمة على الأقل، وعلى المحطات المنافسة ان تفكر في خيارين: المحافظة على الموقع الراهن أو الطموح إلى موقع المركز الثاني الذي يبعد بونا شاسعا عن المركز الأول.

وفق بيان مجموعة إم. بي. سي فإنها لن تلجأ لتشفير الدوري في السنة الأولى، وهذا يعني بداهة أنها ستتجه للتشفير من السنة الثانية. وفق الدراسات المتخصصة فإن في المملكة أربعة ملايين منزل، ستحرص المجموعة على استهداف مليون منزل في أول عامين من التشفير، لو نجحت في ذلك، ولو افترضنا أنها فعلت بثمن بخس (1000 ريال سنويا على الجهاز)، فنحن نتحدث عن مليار ريال سنويا كدخل ثابت للمجموعة الثرية إعلانيا من الأساس. ولو افترضنا أن المجموعة ستتكلف نحو نصف مليار ريال كمصاريف فستتمتع بربح فلكي يتيح لها التحليق بعيدا (نصف مليار ريال إضافة إلى الدخل الإعلاني الفاحش). ولعل المتوقع في المرحلة المقبلة للمجموعة هو شراء حقوق كأس العالم من الفيفا موجهة لكمة موجعة إلى (الجزيرة).

لن تكون إمبراطورية الإعلام القطري هي المتضرر الوحيد، فالمجموعة تمتلك حقوق مكتبات عالمية في المحتوى الغربي كقناة مفتوحة، وستستطيع بسهولة أن تنال نفس الحقوق كقناة مشفرة لتصيب مجموعة أو.إس.إن في مقتل. تبقى مجموعة (روتانا) التي يمكن ان تنافس إم.بي.سي بوجهين: المحتوى العربي والخطاب السعودي المركز. مع انهيار مجموعة أو.إس.إن ستنتقل قناتان متحالفتان معها إلى إم.بي.سي وهما (إيه.آر.تي أفلام وحكايات) التي تتجاوز بمراحل في ملكية المحتوى العربي مجموعة روتانا، أما الخطاب السعودي المركز فتشير المعلومات إلى أن مجموعة إم.بي.سي بدأت فعلا في الإعداد لانطلاقة جديدة تركز فيها على المملكة وجوها وخطابا وبسقف مرتفع.

لا شك أن مجموعة روتانا ومجموعة أو.إس.إن بحاجة إلى مراجعة تحضيرا لمرحلة جديدة على الإعلام العربي، ولعل الحديث عن اطلاق قناة إخبارية جديدة لمجموعة روتانا (قناة العرب) – في هذه الظروف – يعد نوعا من الهدر. وربما يكون التفكير المنطقي الآن هو الاستثمار المستقبلي في قنوات الويب (تلفزيون الإنترنت) لحاقا بشاهد نت – التابع لمجموعة إم.بي.سي هو الآخر – الذي سبق الجميع، وإن كان من عدم الدقة وصفه بقناة إنترنت لأنه يعتمد تماما على المحتوى التلفزيوني التقليدي.

يقال أن المهندس الخفي لعملية انتقال حقوق الدوري السعودي إلى مجموعة إم.بي.سي هو مدير قناة (العربية) عبدالرحمن الراشد مدعوما من عضو مجلس الإدارة محمد عبداللطيف جميل (راعي الدوري السعودي)، كانت الشائعات تتحدث قبل عام بأن (الراشد) يطمح إلى امتلاك الدوري السعودي لصالح قناة يطمح إلى تأسيسها (العربية الرياضية) لينافس بضراوة إمبراطورية قطر الإعلامية (الجزيرة)، لكن تجيير الصفقة لصالح إم.بي.سي أعطاها أبعادا أكبر وأوسع من حيث القيمة التجارية للمجموعة وللدوري السعودي، ومن حيث أفق المنافسة الفضائية الذي سينتهي لشبه احتكار للمشاهد السعودي ولموقع المركز الأول.

لمنح مجموعة إم.بي.سي حقوق الدوري السعودي مزايا وسلبيات، والنواح على السلبيات لن يفيد، فنحن أمام عصر إعلامي جديد يجب أن نتعامل معه وفق قانونه. لا أتفق مطلقا مع من يجيرون ما جرى إلى إمبراطورية شويري للإعلان، فالموضوع يتعدى المصلحة التجارية الشويرية إلى قرار سياسي بإعادة صياغة المشهد، فالتشفير يعني زيادة حصة إم.بي.سي مع ثبات حصة شويري، أما البعد السياسي – الذي أتفهم حيثياته واؤيد اغلبها – فنلمسه من تصريح وزير الإعلام السعودي نفسه بأنه لا يعلم بأن التلفزيون السعودي هو حليف مجموعة إم.بي.سي في عرضها (تبث المجموعة المسابقات الرئيسية ويبث التلفزيون المسابقات الثانوية) إضافة إلى عجز كل منافسي المجموعة عن التقدم بشكوى إلى الفيفا!.

 

صحافي سعودي

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1.  إلى متى هذه البلبلة والتشويش وفي أمور جانبية بل هامشية مثل دوري كرة قدم؟!
    وسائل الإعلام الحكومية تعمل وفق أنظمة ومعايير حكومية محددة
    ووسائل الإعلام التجارية تعمل وفق معايير تجارية بحتة وقد تبيع دينها ومروؤتها واخلاقها فى سبيل ذلك
    فلماذا اللوم والنقد الجارح غير البناء والذي لافائدة منه؟ ؟!

  2. بالنسبة لحقوق كاس العالم في بي ان سبورت ( الجزيرة الرياضية سابقا) فانة محتكرة لحقوق كاس العالم حتى ٢٠٢٢

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق