الرأيكتاب أنحاء

لا نضحك على بعض أيها التجّار

إجتمع نَفَر كثير من التجار يتقدمهم رئيس مجلس الغرف السعودية الدكتور عبدالرحمن الزامل في مجلس الملك سلمان وتقدموا بمطالب ومن ضمنها تشجيع منتجهم المحلي. من ناحية أخرى، تقدم الشيخ صالح كامل في كلمة ألقاها نيابة عن القطاع الخاص في حفل أهالي مكة، يطلب من الملك سلمان إعادة النظر في السعودة. أمر الملك، أيده الله، بتشكيل لجنة من أربعة وزراء بالإضافة الى د/ عبدالرحمن الزامل لدراسة الأمر والرفع بالتوصيات. حسناً، لنناقش ما يطلبه التجار بالعقل والمنطق وبهدوء مع أخواننا التجار.

أولاً، أود أن أحكي حكاية أهديها لمعالي وزير التعليم د. عزام الدخيّل. يحكى أن أخواننا التجار إقتنصوا وزير العمل الأسبق د. غازي القصيبي يرحمه الله عند تسلمه حقيبة العمل في العام ٢٠٠٤م وإجتمعوا به بعد أن أعلن منهجه في الوزارة من (١٣) نقطة وأوضح أنها ستكون “حازمة وأليمة”. كان التجار يدركون عزم القصيبي على تنفيذ منهجه وأنه إذا قال فعل. وبمكر وحيلة التجار وقف أحدهم وسأل القصيبي: ألست أنت يامعالي الوزير من كتب يوماً ما، مقال تذكر فيه أن جامعاتنا لا تخرج إلا عاطلين؟ أجاب القصيبي بأمانته المعهودة: نعم كتبته. قال التاجر: فيكف إذاً تريد منا أن نقبل أولئك “العاطلين” في منشئاتنا؟ صمت القصيبي برهة، ثم سأل: وما الحل من وجهة نظركم؟ فإنبرى تاجر ماكر آخر وقال: أصلحوا النظام التعليمي وإستثمروا في التدريب فمخرجات التعليم والتدريب لا تتوافق مع مدخلات سوق العمل وحينها سنكون أول المرحبين بأبنائنا. إنتهت الحكاية. لكن حكايتنا مع جدلية التعليم والعمل لم تنتهي بل بدأت. وقعنا في فخ التجّار منذ العام ٢٠٠٤م  ومن ذلك الوقت وتوجيهات الدولة للحكومة هو تطوير التعليم والإستثمار في التدريب وتطويره، والأرقام شواهد. لكن أخواننا التجار، لم يرحبوا بأبناء وبنات الوطن ولم يوظفوا خريجي أفضل الجامعات العالمية، ولم تكن دعواهم إلا اللعب على عامل الزمن ومقولة مراد بها بطالة.

ثانياً، التجار، أو ما نسميهم تجملاً “القطاع الخاص” أو أصحاب الأعمال، لديهم غرف تجارية، ومجلس للغرف، وبيت للتجار، هكذا غرف ومجلس وبيت ويستطيعون من خلالها أن يمارسوا كافة أنواع الضغط على الحكومة والوزارات والمسئولين ومجلس الشورى. والأهم من ذلك، يستطيعون أن يطلبوا لقاء مع الملك وتطرح كلماتهم في أجندة الإحتفالات. أما الطرف الآخر من المعادلة وهم العمال أو الباحثين عن عمل أو الأفراد فليس لهم حتى “خيمة” يتفيئونها أو يستظلون بها من شمس الإجحاف الذي ينالهم من أصحاب الأعمال. وهنا يبدأ أول إختلالات سوق العمل وعدم توازنه. فَلَو كان هناك غرف عمالية مهمتها المنافحة والمدافعة عن العمال لما شاهدنا هذا الطغيان والتجبّر والوظائف الهزيلة والرواتب الزهيدة والمعاملة السيئة من التجار للعمل السعودي والوافد.

ثالثاً، (١) يطالب التجّار الحكومة بإعطاء منتجاتهم المصنوعة محلياً الأولوية في المشتريات والمناقصات الحكومية، وهو طلب مشروع ومنطقي ومعقول. لكننا نتساءل، أليس من المشروع والمنطقي والمعقول، أيضاً، أن يعطي التجار العامل السعودي والذي تم إنتاجه محلياً الأولوية في التوظيف والرواتب والمميزات والدورات التدريبية والحوافز؟ هذه بتلك، أليس كذلك؟ لماذا يعيب التجار على شبابنا وبناتنا تعليمهم الذي كان مصدر المعرفة والتأهيل لمعظم تجارنا، ومع ذلك يفضلون العامل الأجنبي؟ وهم يعلمون ونحن نعلم أن كثير مما يسمونه صناعة محلية ليس إلا تجميع محلي مع عيوب كثيرة نفضل عدم ذكرها. (٢) يبتئس تجارنا الأعزاء ويحاربون الإستثمار الأجنبي بكل الوسائل بحجة أن أولئك نافسوهم وحاربوهم في أرزاقهم وأن منشئات الإستثمار الأجنبي لا تملك قيمة مضافة للسوق المحلي أو الإقتصاد الوطني. حسناً، لماذا ينكرون تجارنا إذا، حنق المواطن على إستقدام التجار العمالة الأجنبية وبتبريرات حقيقية ووهمية، ويأتي الوافد يزاحم المواطن في لقمة عيشه ويُدخل المواطن في منافسة غير شريفة وغير عادلة؟ وهذه أيضا بتلك، أليس كذلك؟

رابعاً، أخونا الكبير الشيخ صالح كامل (شاه بندر التجار)، وصديقنا العزيز د. عبدالرحمن الزامل، كل منهم “يقرب النار لقرصه” كما يقول المثل الشعبي. لم يفكروا في السعودة أو التوطين ولسان حالهم يقول “حوالينا ولا علينا”. لم نشهد تلك السَعوَدَة النوعية التي يطالب فيها صالح كامل في شركاته ومؤسساته وإستثماراته، أما عبدالرحمن الزامل فيريد أن يدفع بالسعودة في مشاريع التشغيل والصيانة. والأولى والأجدر أن يكون توظيفهم في مصانع مثل التي تملكها مجموعته، مع أن عبدالرحمن الزامل وللأمانة، من أنشط التجار في تشجيع السعودة. لكن السعودة مع كل أسف، باتت مثل “الديموقراطية” الكل يتحدث عنها لكن لا يطبقها.

 وللتذكير، فقد أنفقت الدولة رعاها الله (٤،٤٠٠،٠٠٠،٠٠٠،٠٠٠) أربعة تريليونات وأربعمائة ألف مليون ريال خلال ٥ سنوات مضت، نال التجار (القطاع الخاص) نصيب الأسد فيها، إلا أنها لم تنعكس إيجاباً على السعودة، وإتضح لنا أن (١،٨٦٥،٦٧٤) قرابة ٢ مليون مواطن يبحثون عن وظائف مناسبة. ويتضح أيضاً، أن نسبة البطالة “الرسمية” إرتفعت في نفس المدة من (١٠،٥٪) في العام ٢٠١٠م إلى (١١،٧٪) في العام ٢٠١٤م. هذا يقودنا إلى سؤال يتيم: إذا لم يستطع التجار تحسين السعودة وتقليل نسبة البطالة في سنوات الإغداق الحكومي عندما كان سعر برميل النفط يلامس (١٢٧) دولار، فهل يستطيعون تحقيق تقدم يذكر في حقبة ينحدر سعر النفط إلى أقل من النصف؟

خامساً، إستمرأ التجار دلال الدولة لهم على مدى عقود، وإهمال وزارة العمل واجباتها ومداهنة كبار التجار على حساب المواطن والمنشأت الصغيرة. وإلا كيف يتم تفسير نجاح التجار في الدول الأخرى حيث الضرائب التي تتراوح بين (١٥-٤٥) في المائة، وملزمين بتشغيل مواطنيهم، ومجبرين بمعايير جودة عالية، وقوانين صارمة لحماية المستهلك، وضئالة أو إنعدام الدعم الحكومي لهم أسوة بما يقدم لتجارنا؟  هل عزوفهم عن السعودة والتوطين وإتجاههم للتحايل والسعودية الوهمية بسبب إختلال ثقافة التجارة والإتجار لدى معظمهم حتى بات ينطبق عليهم مصطلح “الدكاكنجية”؟ 

أخيراً نقول لتجارنا الأعزاء لا نضحك على بعض في أمور تهم مصلحة المواطن والوطن، فالفائدة المرجوة من القطاع الخاص على المستوى الوطني حتى الآن (صفر)، وحان الوقت للمكاشفة والمصارحة وتسمية الأمور بأسمائها، ونقول كفى ثم كفى ثم كفى. ونتوجه إلى ولاة الأمر لنقول، خذوا ما يقوله التجار بقليل من الملح كما يقول المثل الغربي، ولابد من تغيير قواعد اللعبة في العلاقة بين قوى السوق قبل أي تعديل أو تطوير فالبناء على الأخطاء السابقة سينتج حتما أخطاء لاحقة. وإذا فقدنا الأمل في وزراء ووزارة العمل بعد تقرير كشف أن كل الإجراءات والمبادرات والبرامج في ٥ سنوات مضت كانت عبثية، فيجدر بنا أن لا نعيد الكرة بوضع المواطن والوطن حقل تجارب من مسئولين إفتقدوا: المعرفة والإدارة والتقدير. ختاماً، كلنا تفاؤل بأن بلدنا في خير وإلى خير بإذن الله، بقيادة شابة واعية حازمة. حفظ الله الوطن

كاتب، ومحلل إستراتيجي

[email protected]

@Saudianalyst

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق