الرأيكتاب أنحاء

فرصتك الذهبية يا وزير العمل

قرار مولاي الملك سلمان، وفقه الله، بفتح نشاط تجارة التجزئة والجملة بملكية ١٠٠٪  للشركات الأجنبية لمنتجاتها، يشكل فرصة ذهبية لوزير العمل لحل مشكلة الإستقدام المتفاقمة والتي إحتلت مساحة كبيرة من إهتمام الرأي العام، وبالأخص ملف العمالة المنزلية. فإذا كانت وزارة العمل جادة في خدمة المواطن والتيسير عليه في شؤونه الحياتية، فإن القرار الملكي يشكل مدخلاً قانونيا لتطبيقه على قطاع الإستقدام والسماح لشركات الإستقدام من الدول المصدرة للعمالة فتح مكاتبها في السعودية.

القرار الملكي يهدف إلى أربعة أمور: خفض الأسعار؛ منع الإحتكار؛ تقليص الوسطاء؛ ورفع مستوى الجودة. مما ينعكس إيجاباً لصالح المواطن والوطن. وهي نفس ما يعاني منه قطاع الإستقدام. تستطيع وزارة العمل تطبيق روح ومضمون وأهداف القرار وعندها ستتمكن مكاتب وشركات الإستقدام الدولية من تقديم الخدمة مباشرة لعمالة دولها فقط، وقتها يمكن للمواطن ان يتجه الى المكتب/ الشركة/ الجنسية الأفضل في السعر والمدة والخدمة وجودة العامل/ المنتج، من دون وسطاء لا يقدمون أي جهد يذكر أو قيمة مضافة لعملية الإستقدام.

مما يدعو للسخرية والرثاء والبكاء، أن نسبة الجهد الذي تقوم به مكاتب وشركات الإستقدام المحلية لا يزيد عن (٢٪) بينما (٩٨٪) من الجهد تقوم به المكاتب في الدول المصدرة للعمالة، كما أن مكاتب وشركات الإستقدام السعودية تحصل على مايقارب (٨٠٪) من القيمة المُضافة بينما تحصل المكاتب الأجنبية على مايقارب (٢٠٪) من القيمة المُضافة. بمعنى أخر تعمل مكاتب وشركات الإستقدام المحلية بجهد صغير وربح وفير. ومع كل هذا الخلل يبقى المواطن المتضرر الأكبر في لعبة سخيفة إسمها “الإستقدام”.

تطبيق وزير العمل القرار الملكي سيحقق مصالح كثيرة للمواطن وسيعفي وزارة العمل من كثير من الجهد، وسيسهل العلاقة مابين العامل ومكتب الإستقدام والقنصلية او السفارة ووزارة العمل. المكتب الفلبيني، على سبيل المثال، سيقدم الخدمة في تسويق العمالة الفلبينية وسيقوم بإنهاء إجراءات التوثيق مع القنصلية او سفارة دولته في السعودية كما سينهي كافة إجراءات تصدير العمالة في بلده، وسيستقبل عمالة بلده في المطارات السعودية، كما سيكون جهة تحكيم في حال حصول خلاف بين صاحب العمل والعامل.

القرارات التي أصدرها وزير العمل مؤخراً لحل مشكلة إستقدام العمالة المنزلية جاءت في ظروف متسارعة بعد أن إستفحل إبتزاز شركات الإستقدام وبلغ الضرر بالمواطن مبلغه. لكن تلك القرارات “زادت الطين بلة” وظهرت سمات الجشع لدى كبار المتنفذين في تجارة الإستقدام فشكلوا مجموعات متضامنه لزيادة الهيمنة وكسر قرارات الوزير وإرادة الوزارة، كما أن بعض صغار المكاتب تضرروا من هيمنة “هوامير” الإستقدام، ورفعوا قضايا ضد الوزارة بسبب تلك القرارات لأن وزارة العمل غيّرت قواعد اللعبة مما صب في مصلحة الكبار.

فشلت وزارة العمل في إدارة ملف الإستقدام منذ نقل الملف إليها قبل عقد من الزمان، وخلال هذا العقد هيمنة مصالح مكاتب الإستقدام على السوق، وحاولت الوزارة تحسين الوضع بإنشاء شركات إستقدام كبيرة لحل هذا الملف، لكن سوء إدارة بعض تلك الشركات وإضطراب سوق العمل، وكثرة الملفات التي تعني بها وزارة العمل، جعل “الحبل على الغارب” وأدى ذلك، مع أمور أخرى، إلى تفاقم الوضع. الإتفاقيات التي ظهرت في الخمس سنوات الماضية زادت من تأزم الوضع عوضاً عن تسهيل الأمر. الغريب والعجيب، أن وزارة العمل تعاملت مع الملف بمفهوم “الموقت” مما جعل معايير الإستقدام خالية وخاوية من أي مفهوم للتوظيف والموارد البشرية.

فتح السوق السعودي لمكاتب وشركات الإستقدام الدولية بمعايير واضحة وقوانين صارمة لن يكون له أثار سلبية من الناحية القانونية على وزارة العمل. ويمكن للمكتب الدولي ان يعمل جنباً إلى جنب مع “شريطية الإستقدام” المحليين، والسوق كفيل بطرد السيء خارج المنظومة. ومن الأهمية أن لا يسمح للمكتب الدولي أن يستقدم سوى من دولة المنشأ وتقديم الخدمة لعمالة دولة واحدة، عندها سنجد مكاتب أندونيسية وفلبينية وهندية وبنغالية وسيرلانكية وأثيوبية وهلم جرا. سيتمكن المواطن أن يختار من بين تلك المكاتب حسب الجنسية التي يرغب في إستقدامها، من دون تدخل من وزارة العمل في الكلفة أو الراتب، ولذا ستعود حرية السوق وسيحصل التوازن بعد إستبعاد الوسطاء.

القرار الملكي واضح ويمكن لوزير العمل أن يهتبل الفرصة ويثبت للمواطن وقوف وزارة العمل مع المواطن ومصالحه وحقوقه، بدلاً من الوقوف ودعم أصحاب المصالح والمنتفعين في الداخل والخارج بقصد أو من دون قصد. لقد ظهر تبرم مجلس الشورى من وزارة العمل وإجراءاتها وإتفاقياتها الفاشلة التي وقعتها على مدى السنوات الماضية بالأمس، بعد طول سبات. كما أن الرأي العام السعودي لم يتفق على ضرر أكثر من ضرر ملف الإستقدام وسوء ادارته ومعالجته من وزارة العمل.

أخيراً، كلنا أمل بأن يأخذ وزير العمل وفريق العمل معه بالقرار الملكي لفتح نشاط الإستقدام للمكاتب والشركات الأجنبية بملكية ١٠٠٪ رغماً عن إعتراض “شريطية الإستقدام”. ونتمنى أن لا نسمع من الوزير أو أي من مسئولي وزارة العمل، أي معاذير واهية في عدم القدرة على تطبيقه في نشاط الإستقدام، لأن أي معاذير أو تأخير سيؤكد أن الوزير والوزارة شركاء في الإضرار بالمواطن والوطن. ختاماً، القرار الملكي فرصة ذهبية لوزير العمل قد لا تتكرر، والحكمة تقول “إغتنموا الفرص فإنها تمر مر السحاب”، فهل يغتنمها وزير العمل؟

كاتب، ومحلل إستراتيجي

[email protected]

@Saudianalyst

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق