الرأيكتاب أنحاء

إمنعوا إيران من الحج

قد يكون من المناسب أن تتخذ السعودية إجراء سياسيا سيادياً وإحترازياً، ولو مؤقتاً، يمنع إيران من المشاركة في الحج حتى توقع وثيقة تتعهد فيها بعدم إستخدام شعيرة الحج لأغراض سياسية، تنفيذ لقول الحق سبحانه “الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج…” (الآية ١٩٧، سورة البقرة). إقحام هذه الشعيرة في الفسوق والجدال السياسي هو مخالفة إيرانية صريحة للتوجيه الإلهي وعدم تحقيق شرط واضح ومعيار هام وركيزة أساسية من ركائز الحج.

مع بداية الثورة الخمينية قبل أكثر من ثلاثة عقود حاولت إيران إستغلال هذه الشعيرة الجماعية النقية والموسم الإسلامي لتجمع المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها لتصدير شعاراتها السياسية لأهداف تخصها هي فقط، مما يفسد على بقية الحجاج المسلمين صفاء حجهم وطمأنينتهم لشعائر الحج، وهذا تصرف غير مسئول لم تقبله السعودية حينذاك، ولن تسمح به السعودية في المستقبل بأي حال من الأحوال.

محاولة إيران إستغلال بعض الأحداث العرضية، وآخرها حادثة التدافع في منى، التي ذهب ضحيتها أعداد كبيرة من الحجاج – يشكل الحجاج من إيران نسبة قليلة – هي محاولة يائسة بائسة للإنتقاص من مكانة السعودية أو تحجيم جهودها المضنية، والمشهودة في العالم أجمع. المثير للدهشة والإستغراب، أن الحكومة الإيرانية لم تنتظر حتى نتائج التحقيقات الأولية، وسارعت بإلقاء اللائمة على الحكومة السعودية المعنية بتنظيم الحج، وليس تنظيم سلوك الحجاج، وباتت إيران تتمنى “جنازة تشبع فيها لطم” كما يقول المثل المصري.

الشعب الإيراني شعب طيب خلوق كريم معطاء، لكنه أبتلي بحفنة من المؤدلجين يخلطون الدين بالسياسة في تصور وفهم مريب عجيب. ولطالما دفعت الشعوب نتائج قصور فهم الساسة وسوء سياسة الحكومات. فلا ضير من منع إيران من الحج ولو مؤقتاً لسنوات حتى تستوعب تلك الحفنة أن مناسك الحج ليست لعبة سياسية تأتي حسب الأجندة الدولية ودعاوى الهيمنة، وأن الحرمين الشريفين خط إستراتيجي سياسي سيادي أحمر تتجمع فيها كل المصالح الإستراتيجية والحيوية والحساسة للسعودية.

الحرمين الشريفين جوهر الدولة السعودية، وخدمتها، والمحافظة على أمنها، وتيسير سبل الوصول إليها، وتسهيل كافة السبل لأداء مناسك الحجاج والمعتمرين وزوار مسجد الرسول الأعظم محمد (ص) هي في محل القلب من الجسد السياسي للدولة السعودية، ولن تقبل السعودية أو العالم الإسلامي من أي دولة أو سياسي شاذ أن يزايد على السعودية وقيادتها في أمور وشئون الحرمين الشريفين.

الحكومة السعودية تدرك تمام الإدراك أن تزايد أفواج الحجيج سيخلق أحداثاً غير مريحة، ولذا كان تطوير المشاعر المقدسة، وتوسعة الحرمين الشريفين مشروع متواصل على مدى الثمانية عقود الماضية، ويشكل أولوية للقيادة والحكومة السعودية. ولذا تجتهد الحكومة في إستقبال أعداد متزايدة من الحجيج، وفتح أوقات العمرة والزيارة لتشمل معظم شهور السنة. الأهم، أن الحكومة السعودية تقوم بذلك بمشاعر يختلط فيها الحب والفرح والبهجة والسرور والفخر والكثير الكثير من التواضع لله سبحانه وتعالى.

الحوادث العابرة والعرضية في الحرمين الشريفين مهما تكاثرت وتعاظمت قابلة للحدوث والتكرار في أي وقت وكل زمان كما يحدث في أي مكان، بقدر تكرار الشعيرة ذاتها. المراقب الصادق المنصف يعرف تمام المعرفة أن موسم الحج محدود بالزمان والمكان ومحدد الشعائر والمشاعر، مع قدر ضئيل من هامش الحرية في التعامل مع تلك المناسبات بواقع إدارة الجموع. وكل ذلك معلوم لدى إيران وحكومتها وساستها، لكن، كل العداوات قد يرجى مودتها… إلا عداوة من عاداك من حسد.

منع إيران من الحج لحين التعهد بوثيقة ملزمة تشهد عليها كافة الدول الإسلامية، هو أمر مطلوب لتكون عبرة لأي دولة مشاغبة أو سياسي فاشل وجاهل يريد أن يكتسب شعبية محلية أو يتكسب من المزايدة في الدين أو الشعائر أو الأماكن المقدسة لأغراض سياسية دنيوية وضيعة. الغوغائية الإعلامية السياسية التي تنتهجها إيران هي “فقاعة” لن تغيّر أو تقلل في مكانة السعودية لدى العالم الإسلامي. ولو كانت إيران جادة وصادقة في نواياها لسلكت طرقاً متعددة لتمرير أرائها ومقترحاتها ونصائحها في أي قصور محتمل.

تعلم السعودية ومعها العالم أجمع أن من حق الدولة السعودية الطبيعي والسيادي منع إيران أو أي دولة أخرى من المشاركة في الحج أو زيارة المسجد النبوي الشريف، إذا ما خشيت السعودية على إفساد الأماكن المقدسة أو المناسك الدينية، أو خافت على نفسها أو شعبها أو مقدراتها أو ضيوفها من الشعوب الأخرى الضيم أو الظلم. الطمأنينة في تأدية الشعائر الدينية هي من الأمور الحاكمة في تأديتها وإكتمالها. الحكمة والحلم الذي تتصف به القيادة السعودية كبير وكثير، لكنه قد ينفذ في لحظة تتمادى فيه إيران أو أي دولة تنحو نحوها.

أخيراً، السعودية تقوم بجهود جبارة ومضنية ومشهودة في الحرمين الشريفين وفي خدمة ضيوف الرحمن، وتعترف دائماً بأن ذلك من واجبها وشرف عظيم شرفها الله به، وبحكم سيادتها على الأماكن المقدسة الغير منقوصة أو منزوعة. ولذا، فإن من حق السعودية أن تمنع إيران من دخول الحرمين الشريفين حتى ترعوي وتثيب إلى رشدها وتتوقف عن “الفسوق والجدال” مراعاة لحرمة المكان والشعيرة والمناسك وإحتراماً لمشاعر غالبية المسلمين. ختاماً، تحية للسعودية قيادة وحكومة وشعباً على تفانيهم في رعاية ضيوف الحرمين الشريفين. حفظ الله الوطن.

كاتب، ومحلل إستراتيجي

[email protected]

@Saudianalyst

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق