الرأيمقالات الصحف

من العراق: قصة سجين سعودي

فوجئت تماما، وببالغ الدهشة، أن هذا الشاب السعودي لا زال في السجون العراقية وعلى مدخل العام الحادي عشر، شخصيا، أعرف قصة هذا الشاب منذ اليوم الأول ويوم هاتفني والده الشهم الكريم منذ الساعات الأولى لاعتقال نجله الأوسط. لم يكن “محمد” -وهذا على مسؤوليتي التامة- قاعدياً ولا داعشيا ولا ينتمي لشيء من كل هذه الألقاب. وكل ما فعله هذا “المحمد” أنه عبر في صدفة سوداء حدودنا مع العراق الشقيق ليجد نفسه بعد عشر دقائق من العبور المشؤوم، وفي الكيلومتر الأول من أرض الرافدين، مكبلا بالسلاسل في يد حرس الحدود العراقي. اكتشفت مساء البارحة أن قصته المؤلمة هي ذروة الظلام العربي لشاب مسالم لم يكن له من ذنب سوى العبور التائه لحدود بلدين عربيين في ظروف ملتهبة. وفي التحقيق والمحاكمة كان ملف محمد واحدا من الملفات العلنية المفتوحة بعكس آلاف الملفات الأخرى التي تكتنز بالألغاز والغموض، وهذا حق مشروع لسيادة دولة شقيقة. انتقل محمد إلى “سجنين” وحوكم من قبل ثلاث محاكم عراقية، وكلها أيدت الحكم الصادر في حقه بالسجن لمدة 15 سنة على خلفية التهمة الوحيدة: اختراق حدود العراق بطريقة غير مشروعة. وكل المؤسف المبكي أن التهمة الرسمية الوحيدة هي تلك الجملة التي حكمت على شاب بقضاء ربع حياته في سجون بلد شقيق لغلطة “توهان” في الصحراء لمجرد عشر دقائق. ولو أننا وعلى كل حدود دول الكون لفظنا بذات الحكم الذي نطقت به المحاكم العراقية على هذا الشاب “دخول البلاد بطريقة غير مشروعة” لكان ربع سكان الأرض في السجون على خلفية هذه التهمة.
والخلاصة: أحترم حقوق الدولة الشقيقة في السيادة على أرضها وعلى حدودها. أعترف اليوم أن لها كامل الحق في ملاحقة مئات الإرهابيين من أبنائنا الذين نثروا حمم الجحيم وقذائف وقنابل الموت في شوارع هذا الجار الشقيق، ولكن: كل هذا لن يغفل حق الفرز الواضح الصريح الصحيح بين كل هذه القصص والملفات المختلفة. كل هذا لن يمنعنا من مطالبة الإخوة في العراق الشقيق بصوت العقل في الفرز ما بين تائه لم يمكث في أرض العراق وبالخطأ لأكثر من عشر دقائق وبين إرهابي مكث بأرض السواد والخصوبة لمئات الأيام جائلاً بين الإرهاب والقتل. نحن لا نطلب من الإخوة في الجار الشقيق سوى صوت العقل في فرز الملفات وتصنيفها بحسب الجريمة ولهم كامل الحق: أما أن تكون التهمة هي السجن لربع الحياة لمجرد عبور صحرائنا العربية المشتركة لمجرد عشر دقائق فهذا خلط عبثي للأوراق لا تقبله أبداً شيمنا ودماؤنا المشتركة.

الوطن

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق