حوار مع مغرد

أحمد الغزي : ما يحققه الكاتب بإباحيته شذوذ ونوع من أنواع العجز الأدبي .. ولا مانع من المشاغبة

(أنحاء) – حوار – وعد التركي : ــ

أُصدرت له ثلاثة كتب بالكمال وفي منتهى الجمال اللغوي والحبكة الأدبية، يوظف الكلمات ليخلقَ سحراً يرتقي بالحرف فكراً، يطرق أوتار الصدور ببواعث حنونه، هو الذي قال في أطروحة قلوب لاتبنت الحب “يبقى الفراق هو يوم الوفاة” وأتبعها بسمفونية عشق حتى كان العقد المختوم بأخر إصدار حالي كتاب مس.

إنه الكاتب الأدبي أحمد الغزي الذي سيكشف لنا تفاصيل لغته التي كتبها وارتكبها حول الأدب وأبعاده.

بداية حدثنا عن الـ أنا التي تسكن الكاتب أحمد الغزي ؟

شابٌ آمن بالقراءة منذ نعومة أظفاره ، فآمنت بهِ الكتابة حين اشتد عوده . يحمل من الأحلام ما أنقض ظهره ، ويأبى الطموح إلا أن يصلب قامته ، أمتهن التعليم ليتعلم ، ثم ليُعلم ، وليفخر بمهنة الرسل . وقبل هذا كله ؛ مسلمٌ يشرفُ بإسلامه ، وعربيٌ يباهي بعروبته ، وسعوديٌ يعشقُ وطنه .

يحمل نثرك الأدبي تميز فكري ولغوي كثيف هل لك أن تخبرنا من أي الحقول جنيتها ؟

من القراءة ولا غيرها ، القراءة في الصغر هي غرسٌ ينمو فيورقُ بقية العمر ، والمفردات التي تُدفن في ذاكرة الطفل صغيراً تسعفهُ كبيراً ، والقراءةُ لا تذهب سدى ، فهي نمو معرفيٌ وثقافيٌ غير محسوس ، يظهرُ تأثيره لاحقاً ، وفي وقتهِ تماماً . وأغبطُ نفسي أن غصتُ في بحور أمهات الكتب يافعاً ، وتقلبتُ بين صفحاتها تقلب الليالي والأيام ، ورشفتُ من رحيقها ما ملأ فكري ، وأُسمنُ ذائقتي .

ماذا منحتك الكتابة وماذا سرقت منك ؟

منحتني تحقيق حلمي ، وقبلها التنفيس عما يجول في خاطري ، وبعدها لفت الأنظار إلي . لكن تظل مزية الكتابة الأولى أنها مشاعرٌ تتجسدُ على الورق ، وبوحٌ غصَّ به حلقي ولفظته أناملي ، وبسماتٌ كتمتها بين شفاتي ورسمتها بين أسطري ، ودمعاتٌ حبستها خشية الوشاة وسالت على هيئة أحرف .. تلك هي الكتابة . وهي أرقى وأنزهُ من أن تسرقني أو تسرق غيري .

تقول في تويتر :”لست هنا لأكتب لك ، بل لأكتبك” ، ويقول البعض أن الكتاب بشر غريبون يستطيعون رسم الإبتسامة على شفاه القراء من خلال وصف تعاستهم ، مامدى صحة هذه المقولة ؟

لو لم يستطيعوا ذلك لما صاروا كُتّاباً !

الكاتب الحق يخلق لقرائه عالماً يجدوا فيه ما ينقصهم في عالمهم الحقيقي ، يبكيهم ويضحكهم ، يشقيهم ويسعدهم ، فيصنع للرجال أبطال طفولتهم ، وللنساء فرسان أحلامهن .

الكتابة خلقٌ لشخصيات تعشقها أو تكرهها ، تتفق معها أو تخالفها ، تحترمها أو تقدرها ، لكنها  بالتأكيد تشدك وتحبسك بين طيات الكتاب التي هي فيه .

بعض الأصدارات هي الأقرب دائماً للوجدان ، أي منها الأبنة المُدللة لـ أحمد الغزي ، ولماذا  ؟

أعتز بكل إصدارتي ، ولو كان السؤال عن أفضلها لقلت : الذي لم يكتب بعد ! .. لكن ما دام السؤال عن أقربها فسأقول أنه ( قلوب لا تنبت الحب ) ، لأنه الفرحة الأولى ، وشممتُ فيه حين أمسكته رائحة تحقيق أول أحلامي .

هل للكتابة الأدبية خطوط حمراء قد يفرظها المجتمع السعودي” المحافظ” على الأديب  ؟

بالتأكيد ، وقبل المجتمع هنالك الدين ، والأخلاق ، يليهما العرف المجتمعي ، وحقيقةً أنا شخصياً لا أميل للخروج من أي نوع ، وأرى أنه وسيلة العاجز للفت الأنظار ، وما يحققه الكاتب بإباحيته مثلاً يستطيع غيرهُ – الأكثر موهبة منه – تحقيقه بمحافظته ومثاليته . الخروج شذوذ ، ونوعٌ من أنواع العجز ، لكن هذا لا يمنع من بعض ” المشاغبة ” ، ولمس تلك الخطوط الحمراء بدون تجاوزها .

ذكرت في تعليقك على رواية ” الخيميائي ” أن الروائي العالمي باولو كويلو ،  أنحاز للمسلمين وانصفهم مع بطل الرواية ، بإعتقادك ماهي الرؤية الأدبية التي جعلته يسلك هذا المسار وهل تعتقد بأن ذكر الإسلام ساهم في النجاح العالمي للرواية ؟

لا أعتقد أنها رؤية أدبية بقدر ماهي إعجاب بالدين بعد دراسة مستفيضة له ، ومعلوم أن كويلو درس الدين الإسلامي جيداً وتأثر بالصوفية كثيراً ، وهو بصفة عامة محب للأديان ويهوى الإبحار فيها ويراها مادة شيقة للبحث والقراءة.

وحقيقة لا أعتقد أن ذكره للإسلام قد أنجح روايته ، بدليل أن مبيعات الرواية في الدول غير الإسلامية أضعاف أضعاف مبيعاتها في الدول الإسلامية .

مارأيك بالأدب النسائي الحديث ؟

جميل ، وذو نكهة خاصة ، وإن كنت أعتقد أنه أقل تقدماً من مثيله الرجالي ، وهناك بونٌ شاسع بين ما يقدمه الرعيل الأول من الكاتبات وبين ما يُقدم الآن . والأمر عموماً جائزٌ على الجنسين ، لكنه أكثر وضوحاً عند الأدب النسائي .

هل مازالت النظرة الذكورية تطغى على تقييم الأعمال النسائية من قصة و شعر و غيرها من فنون الأدب ؟

العبرة بما يُقدم ، لا بجنس المُقدِم ، والأدب فضاءٌ رحبٌ يتسع للجميع ، وما ذكرته بإجابتي عن السؤال السابق إنما هي ملاحظة وقراءة للواقع ، وليست تقسيماً للأدب بين جنسٍ خشنٍ وآخر لطيف . وفي اعتقادي لو قُدم عمل جميل فلن يُنقص من قدره إن كانت مؤلفته امرأة ، ولن يرفع من شأنه أن كان خلفه رجل .

حكم جنس أدم أن معظم الأحرف النسائية تسبح في بحر البكاء حد الغرق ، هل هم على صواب ؟

الحزن سلعةُ الجميع ، وهو الوتر الحساس الذي يعزف عليه معظم الكتّاب ، حتى في الموسيقى ؛ لمقام الصبا رونق خاص لا يضاهيه أي مقامٍ آخر . والحزن الذي يقدم على شكل كتاب هو محاولة للسير على حبال العواطف ، واستدرار للبكاء ، وكم من مهمومٍ يعجزهُ التعبير عما أهمّه ، ثم لا يتردد أن يصفق عالياً لأحرفٍ في كتاب رآها وكأنها تحكي عنه .

الحزن للجميع ، وليس للنساء فقط .

ما الفرق في الإنتاج الأدبي بين جيل الرواد وجيل الشباب في السعودية، وما وجه الشبه أصلاً ؟

أنا من المؤمنين بأنه شتان بين أدباء أرفف المكتبات ، وكتّاب ساحات مواقع التواصل الاجتماعي .

السابقون قرأوا كثيراً قبل أن يتجرأوا على الكتابة ، واللاحقون كتبوا كثيراً وهم لم يقرأوا حرفاً واحداً .

ولتوضيح الصورة ، تخيلوا أن القصيبي والجهيمان والجاسر والظاهري وابن خميس وعبدالرحمن منيف والقصيمي لحقوا على تويتر وانستقرام وملايين المعجبين الذين يختبئون خلف هذه التطبيقات ، كيف ستكون شعبيتهم مقابل الشعبية المهولة – غير المنطقية –  التي يملكها بعض كتّاب الحاضر وهم بنصف موهبة . أو أقل !

هل تعتقد بأن للأدب تأثير على السياسة ؟

إذا أدخلنا العمل الصحفي ضمن الأدب ، فالجواب نعم . أما إذا استبعدناه فلا أظن ذلك . قد يدون الأدب بعض نتائج أفعال الساسة ، وقد تكون السياسة مادة خصبة لمخيلة الأدباء . لكن تأثير ؟ .. لا أعتقد .

ما هو العمل الإبداعي الذي يحلم احمد الغزي بإنجازه؟

العمل ذو القيمة ، الذي يقدره النقاد ويستسيغه – أو لا يستسيغه – العامة . والذي لا يكون كالألعاب النارية ؛ انفجارٌ ودويٌّ يصم الأذان ، وأضواء تبهر الأعين ، وشرارٌ في كل مكان ، ثم ينطفئُ كل هذا في دقيقة !

حالياً أنا أبحث عن القيمة لا النجاح والانتشار ، وأن أتى الانتشار مع القيمة فأهلاً ومرحباً .

11 12

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق