الرأيكتاب أنحاء

تذكير لوزير العمل

نود أن نذكّر وزير العمل بأننا لازلنا في إنتظار قرارات معاليه العاجلة في عدة مواضيع يبدو أنه قد نسيها مع زحمة العمل، وتوقيع الإتفاقيات الدولية، وكثرة الإجتماعات، وتعدد ورش العمل في مركز الخزامى بالرياض تمهيداً لإنطلاق برنامج التحوّل الوطني. فلازالت “فضيحة الإستقدام في ڤيتنام” عالقة في الأذهان والمجتمع ينتظر شيء من ردود الفعل الرسمية؛ ولا زالت مكاتب وشركات الإستقدام تفتري في جيوب المواطنين؛ ولازال القطاع الخاص يقدم الوظائف الهزيلة والرواتب الزهيدة للمواطن تمشياً مع برنامج “نطاقات” سيء الذكر؛ ولازال أكثر من (٣) ملايين شاب وشابة يبحثون عن عمل يتناسب ومؤهلاتهم العلمية والعملية بالرغم من الإحصائيات المغلوطة؛ ولا زالت المنشئات في القطاع الخاص تتحايل في أكبر عملية توظيف وهمي في العالم؛ ولا زلت أنت يا وزير العمل لم تقدم لنا منهجك وخطتك ومشاريعك في الوزارة منذ أن تم تعيينك.

أولاً، نجزم بأنه لم يتبقى وسيلة إعلامية إلا وتناولت “الفساد” في ملف الإستقدام بشكل مكثف ومكرر، لما أحدثه من إضرار بالمواطنين على مختلف شرائحهم، وخصوصا، في شأن العمالة المنزلية. إلا أن وزير العمل عمد إلى “التطنيش” بدليل أنه لم يتخذ أي إجراءات تحد من جشع “شريطية” الإستقدام، حتى بعد أن كشف سفير خادم الحرمين الشريفين في ڤيتنام عصابة الإستقدام التي ترفع من أسعار العمالة المنزلية بشكل مؤذي، ولم نسمع عن قرارات لا بشأن تلك العصابة، ولا بشأن تحسين إجراءات الإستقدام وتحصين المواطن تجاه تلاعب المكاتب والشركات. كل ما هنالك هو تسريب بعض الأخبار عن تكوين لجنة من الداخلية والعمل والخارجية لدراسة الأمر. وهذا فيه إستخفاف بالرأي العام والشأن العام.

ثانياً، عدم مواجهة الفضيحة بشكل حازم وحاسم يوحي لكثير من المواطنين بأن وزارة العمل متواطئة مع “شريطية” الإستقدام، وتاركة “الحبل على الغارب” للعبث بالمواطن والوطن. كان المأمول من وزير العمل أن يتخذ من “فضيحة الإستقدام في ڤيتنام” فرصة مواتية للضرب على يد العابثين بالإستقدام، ليس لأنه لا يعرف ألاعيبهم وعبثهم وفسادهم من قبل وهو الخبير بدهاليز وزارة العمل قرابة عقد من الزمان، بل لأن الحادثة التي نشرتها الصحف تشكل دليلاً ملموساً محرجاً للوزارة وللحكومة والدولة في الخارج. قد ينبريء أحد من وزارة العمل مدافعاً، بأن الوزارة فعلت وتفعل كذا وكذا، ونقول لكل أولئك: على رسلكم، “فالشق أكبر من الرقعة” وسلبيات الإستقدام لو نظر إليها بعين الحزم والحسم لشهد المجتمع أشخاص أحيلوا للتحقيق والإدعاء العام، وشركات أقفلت، ومكاتب ألغيت تراخيصها، وإجراءات أعلنت لصالح المواطن. لكن “ذَر الرماد في العيون” منهج تعود عليه المجتمع منذ وزير العمل السابق.

ثالثاً،  نجد أن السعودة والتوطين قد ذابت وتلاشت بسبب سوء إدارة هذا الملف من صندوق تنمية الموارد البشرية، الذراع الثري لوزارة العمل الذي أوكل إليه التوظيف والتدريب، بالرغم من الإنفاق العبثي للصندوق، وبات هذا الملف بين مطرقة “نطاقات” التي تضع نسبة السعودة كمعيار أساسي للمنشأة وتصنيفها، مما حول المواطنين بالضرورة إلى قاع الهرم الإداري للمنشئات في وظائف لا تحمل أي قيمة مضافة، مع رواتب زهيدة لا تتناسب مع ما يحمله المواطنين من كفاءات ومهارات علمية وعملية. حتى مع الوظائف الهزيلة والرواتب الزهيدة تتزايد حيل التجار “الدكاكنجية” الذين تكدسوا في السوق بثقافة تجارة وإتجار بدائية تعتمد الحيلة والتحايل على الأنظمة والقوانين، في صراع مستمر للبقاء.

رابعاً، كانت السعودة في “الزمانات” يعني بها مجلس القوى العاملة الذي كان يرأسه الأمير نايف بن عبدالعزيز، رحمه الله، والذي يضم عدد من وكلاء الوزارت المعنية، وكانت السعودة تسير في خط جيد نسبياً، حتى حدثت العملية السيامية وتم فصل العمل عن الشئون الإجتماعية في العام ٢٠٠٤م، فألغي المجلس، وتم ضمه للوزارة الوليدة تحت مسمى “وكالة الوزارة للتخطيط والتطوير”، عندها وءدت السعودة ولم يحدث تخطيط أو تطوير بل تمت مأسستها وباتت شعار يرددها مسئولي الوزارة لذر الرماد في عيون المجتمع. لم تكتفي الوزارة بذلك، بل طالبت بسحب الإستقدام من وزارة الداخلية وضمه للوزارة لكي تؤدي وزارة العمل مهمتها بحجة الإستقلالية والفاعلية. حسناً، لم يحدث تخطيط أو تطويرأو إستقلال أو فاعلية. دخل  التجّار وهوامير السوق من أوسع أبواب وزارة العمل وهيمنوا على نوعية القرارات.

خامساً، كانت السعودة قبل برنامج “نطاقات” سيء الذكر، تعتمد على أربعة معايير أساسية: النسبة (Percentage)؛ المهنة (Profession)؛ المنصب (Position)؛ المكان (Place)، وقد سبق أن أطلقنا عليها الـ (4Ps). كانت المعايير الأربعة تعمل شيء من التوازن في عملية الإحلال والتوطين، فالنسبة المئوية تعني بالكم في أمرين أساسيين: عدد السعوديين؛ والوافدين. أما المهنة والمنصب فتعني بالكيف في أمرين: نوعية العمل؛ والأجر. يبقى المعيار الرابع وهو المكان، ويعني بالكم والكيف من الناحية الجغرافية، فيخفف من الهجرة الداخلية التي تضطر المواطن في أقصى الشمال أو الجنوب للبحث عن العمل في المدن الكبرى. لكن برنامج “نطاقات”، سيء الذكر، جاء ليطلق رصاصة العذاب على السعودة والتوطين، ويمنح بلسم الرحمة للإستقدام، وأي نظرة عجلى على الأرقام ستثبت ما نقول.

سادساً، كشفت الأرقام شيء مذهلاً ولم يحرك وزير العمل أو وزارته ساكناً. (١) ظهر في تقارير وزارة العمل أن أكثر من (٨٦) ألف من العمالة المنزلية هربوا من كفلائهم خلال عام واحد، كما ذكرت ذات التقارير أن أكثر من (٥٤٠) ألف وافد خرجوا ولم يعودوا، هذا في شأن الوافدين؛ (٢) وذكرت تقارير أخرى أن أكثر من (٢٩٧) ألف توظيف وهمي للنساء في قطاعات مختلفة ومثل ذلك بالنسبة للذكور، هذا في شأن التوطين؛ (٣) وتظهر تقارير مصلحة الإحصاءات العامة رقماً شبه ثابت لعدد ونسبة البطالة منذ سنوات. أين المذهل في هذه الأرقام؟ المذهل أن وزارة العمل مستفيدة من ذلك التضليل. يبدو أن وزارة العمل لم تتخذ إجراءات صارمة للحد من هذه الظواهر السلبية لأنها: (أ) مستفيدة من كلفة التأشيرات التي تدخل للخزينة العامة ويتم تحويلها لصندوق تنمية الموارد البشرية ذراعها الأول، (ب) كما أن الوزارة مستفيدة أيضاً من العوائد المالية لحساب لتأمينات الإجتماعية، ذراعها الثاني؛ (ج) وأن الوزارة إستمرأت تلك المستويات المتدنية من نسبة البطالة المغلوطة لإيهام المجتمع بالجهد الذي تقوم به الوزارة عبر المسؤلين في ديوان الوزارة، الذراع الثالث. سؤال: من هو المتضرر؟ المتضرر هو المواطن والوطن على حد سواء.

سابعاً، نحن ندرك التركة الثقيلة التي يواجهها وزير العمل الحالي، بعد ما عبث وزير العمل السابق بشكل لم يسبق له مثيل بكل شيء تقريباً في وزارة العمل، وسوق العمل، ونظام العمل. ونحن ندرك أيضاً، أن العبث السابق، له عبث لاحق بإسم “هيئة توليد الوظائف ومكافحة البطالة” الذي نبتت من بنات أفكار وزير الإقتصاد والتخطيط “الجهبذ” الذي لم يكتف بالعبث السابق؛ ونحن ندرك أن كل شيء مجمد تقريباً إلا من خلال ماكينزي و”برنامج التحول الوطني” وذات الوزير لتبني ذات المبادرات والبرامج والتسميات والألوان وورش العمل وإجتماعات العصف الذهني في فنادق الخمس نجوم، “فما أشبه الليلة بالبارحة”. لكن كل ذلك لا يعفي وزير العمل من مسئوليته المباشرة تجاه ملفات وزارته والتي ذكرنا بعضاً منها، لأن ماكينزي وأمثاله، وهيئة التوليد، وبرنامج التحول، سيجبر المواطن على أن يردد “ياليل مطولك”.

أخيراً، لم يستطع وزير العمل أن يقدم منهجه أو خطته في الوزارة لأن لسان حاله، في ظننا، يقول: “إن حكينا ندمنا وإن سكتنا قهر”. لا بأس، لكننا نقول: إذا كان معالي وزير العمل مكبل الفكر واليدين ولا يستطيع أن يغيّر في أي مما إبتدعه وزير العمل السابق، سواء في المسئولين أو الأنظمة أو القرارات أو البرامج، وأنه مكتوب على جبين سوق العمل أن تعاني خمس سنوات أخرى جراء سوء المعرفة، وسوء الإدارة، وسوء التقدير من هذا أو ذاك الوزير، فليحاسب معالي الوزير، على الأقل، في أمر الفساد الذي ثبت بالدلائل على “شريطية” الإستقدام لكي نتذكر، فقط، أن لدينا وزير للعمل. ختاماً، التحوّل الحقيقي يبدأ بالمواطن وتأمين لقمة عيشه، وينتهي أيضاً عنده، وماعداه هو “حكي في الفايت”. حفظ الله الوطن.

كاتب، ومحلل إستراتيجي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق