الرأيكتاب أنحاء

خواجه يني.. دهشة اللغة وفتنة السرد

قبل افتتاح معرض جدة للكتاب بليلة واحدة تسللت اليه خلال فترة التجهيز واستعداد دور النشر لتنسيق ديكوراتها حين صادف حضوري بروفات حفل الافتتاح وقد تم ترشيحي لتقديم فقراته .

تسللي اليه كان بدافع البحث عن كتب غير متداولة أو مايمكن ان يدرج تحت مسمى (البيع من تحت الطاولة) كما كنت اسمع ولم أر ،وخلال جولتي التسللية عرجت على دار مدارات وسألتهم عن الأبرز لديهم وذكروا لي على الفور انهم جاءوا هذه المرة بما لم يأت به غيرهم وهم يشيرون الى رواية خواجه يني للراحل محمد صادق دياب التي كتبها قبل وفاته ولم يمهله القدر لحين طباعتها.

عندما اقتنيت الرواية لم يكن الا حبا في كاتبها قبل كل شي وانحيازا لثقله الادبي ولروعة حرفه السيال الذي اعرفه منذ زمن وقد كنت أقول أن من يكتب بطريقة محمد صادق لابد ان يكتب رواية في يوم ما. فكل المؤشرات والأدوات التي يتعامل بها في مقالاته وكتبه السابقة تشير الى حس روائي دفين مشبع بتقنية الكتابة الروائية.

محمد صادق كشخصية ثقافية محبوبة لاتملك الا أن تتتبع نثار كتاباته.

هذا الرجل الانيق حرفا ومقاما والفنان حسا ورؤية لديه قدرته العجيبة في تطويع الكلمة الفارهة وعجنها بخبز الهم اليومي.

أقسم احمد عسيري ذات كتابة له أنه عندما شاهد محمد صادق اول مرة كمعلم لهم في أبها. أقسم العسيري لزميله ان مدرسهم هذا ماهو الا طلال مداح. وعزز قسمه بطريقته في رسم الغترة واطار النظارة فوق اللهجة الحجازية التي لم يتعود عليها ( عوال أبها). وكأني به يقول لزميله آنذاك (قسم انه طلال مداح مدرس الادب اخذوا عقلك). قل اني فرحت بالرواية لانها لم تخيب حدسي الذي كنت أراهن عليه .

فوجدتها امامي وجها لوجه مسجلة باسم محمد صادق دياب.وكان لزاما علي ان اقتنيها على الأقل دعما لفكرتي في ان أجد محمد صادق روائيا يوما ما. ويوما بعد الاخر من أيام المعرض الذي كنت أذهب اليه بشكل يومي بحكم عملي في تقديم برنامج يومي مباشر للقناة الثقافية من المعرض كنت اتزود كل يوم بعدد من الكتب التي يأتيني بعضها كاهداءات فوق ما اقتنيه حتى وجدتني أمام عدد كبير لاطاقة لي بقراءته في فترة وجيزة وأنا المهموم والمحموم بالعمل الاعلامي الذي لا يمد كفيه ومخالبه لنهش كل وقتك . غير اني كنت استرق الى كتبي النظر بين فترة وأخرى ممنيا نفسي بقراءتها وقد نسيت كثيرا من عناوينها. حتى وقعت عيني قيما وقعت على خواجة جدة وكأني قبضت عليه ووجدته واقفا أمامي بشحمه ولحمه وقد أدخلني معه وعرفت بيته وبناته وزوجته الاربعينية الناعمة. كثير من الروايات تستدرجني اليها من صفحاتها الأولى وبعضها اتوقف عن اكمالها من الصفحات الأولى وقد اعود اليها وقد لا اعود حتى امتزج معها وأعيش حالة الاندماج التام لأكملها على مراحل مختلفه وأوقات متباينة . الا أن ماحدث لي مع خواجة محمد دياب كان مختلفا تماما.

حيث وجدت الرواية مع مجموعة الكتب الحديثة. التقطتها سريعا كمن وجد ضالته المفقودة، تناولتها ،قرأت بداية سطورها، سحبت جسدي وروايتي واقتعدت كنبة قريبة ودون شعور مني وجدتني متلبسا بها وأنا استغرق في قرائتها بنهم ومتعة وتشوق لما سيأتي حتى انهيتها في جلسة واحدة.

فارتفع عدد مميزاتها وأحقية صدارتها وهي تحتل مرتبة أول رواية أقرأها كاملة في جلسة واحدة.

نظلم أنفسنا كثيرا حين نضع معايير محددة لاشياء ندعي معرفتها. ونحرم ذائقتنا من متعة التلذذ بهذه الأشياء عندما نطلق عليها حكما غيابياً يأتي ضمن الاحكام المعلبة والفاسدة في كثير من الاحيان. ثم نكتشف حين الغوص فيها اننا اكثر الناس جهلا بها. وهذا ماحدث تماما مع خواجة يني. حين ظننت انها مجرد حكاية لرجل أجنبي كان يعيش في جدة في حقبة زمنية .

وحين تجاوزت العتبة الأولى مارقا نحو المخزن المشبوه صاعدا نحو الدور الثاني شممت رائحة السرد وأصبت بدهشة اللغة التي أعشقها في الرواية وقد وجدتها بكامل فتنتها في المفصل الأول الذي نحى بي بعيدا عن طقوس الخواجة الى بيروت وحديث الذكريات مع فاتنة الفن التشكيلي التي كاد بطل الرواية الذي ترس حيطان التأريخ برسومات بدور،كاد ان يقع في شراكها وقد أسرته بسحرها وعطر أنوثتها لولا أنها قرأت مذكراته لتقول له وهي تهم بالرحيل بلارجعة اليه من غرفته في الفندق مملوءة باليأس والحسرة: وبعدك حرامي نسوان؟! لتتساقط بعدها عناقيد السرد وكأنه بدأ يقص عليها ما تركه بين يديها من أوراق .

هذه التقنية الطرية في السرد أضفت لمسة جمالية تستدرج القاريء اليها من اقاصي الروح ليتناولها قطعة قطعة حتى أخر رشفة في فنجانها. ولولا أن الخواجة كان شخصية محورية في الرواية بين كل الأسماء الواردة لتمنيت أن يسميها ( حرامي النسوان) مع مافي هذا الاسم من البساطة والعفوية لكنه الأقرب للمحتوى. هي باختصار رواية تأخذك الى طقوسها وأنت تمارس معها كل المشاعر المختلفة فتنتابك موجة من الضحك حينا وتتضور ألما وحزنا حينا آخر وتموت كمدا وحسرة مع مشهد آخر وتصبح مستعدا للبطش بأحدهم لانك امتزجت بروح الكتابة التي بدأت تسيطر على كامل تفاعلاتك الحيوية والكيمائية والعاطفية ثم تملؤك بطاقة إيجابية تبقى منتشيا بها ومعها عدة أيام قادمة.

وهذا مافعلته خواجة يني تماما .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق