الرأيمقالات الصحف

أوباما وصادق خان: الأقليات والحقائق

واستكمالاً لما انتهيت إليه بالأمس: هل يمكن لنا أن ننظر إلى فوز ابن مهاجر مسلم من الباكستان بمنصب عمدة أكبر مدينة أوروبية كحالة فردانية خاصة لشخص طور من إمكاناته وقدرته على التنافس مع المجتمع الإنجليزي الأبيض، أم أنها تعكس حالة من الصعود السياسي للأقليات المسلمة في القارة العجوز بأكملها؟ أنا أميل إلى الشق الأول من السؤال. وفي المقاربة، لا يمكن لنا أن نعتبر فوز باراك أوباما برئاسة القوة العالمية الأولى دليل على صعود الكتلة الأميركية السمراء بقدر ما كان الحدث التاريخي انتصاراً لقدرة فرد، وكما قال روبرت جونثاو في كتابة “المجتمع الغربي ومعايير القوة”: قد تحتاج أميركا إلى قرن مقبل كي تنتخب رئيساً إلى البيت الأبيض من أقليتها السوداء.
لكن الحقيقة مع الأقليات، وفي أي مجتمع كانت تعيش، وسواء كانت أقليات إثنية عرقية أو دينية مذهبية، أن إلهام النجاح الذي يحققه الفرد من بينها بطريقة استثنائية تخالف السائد المطبوع قد يصنع ذات إلهام النجاح لأفراد آخرين، وكثر على ذات الطريق، ومع الزمن يتحول هؤلاء الأفراد إلى أيقونات اجتماعية، ومع الزمن أيضاً يتحولون إلى مجتمع. تكمن مشكلة الجالية الإسلامية في دول غرب القارة الأوروبية وفي الولايات المتحدة في معاملين: الأول، أنهم ضحايا الفوارق الهائلة ما بين مصطلحي التعايش والاندماج. الأجيال الأولى استطاعت التعايش، ومع الزمن، بدأت لديها مخاوفها العميقة على أجيالها اللاحقة من الاندماج، وهناك فرق ومسافة ثقافية ما بين المصطلحين. مشكلة هذه الأقليات أنها في العقدين الأخيرين بدأت تستورد من جذورها في الشرق القديم أمراضه العرقية والمذهبية والدينية ظنا من هذه الجاليات أن هذا “الخطاب” هو الوصفة الناجعة لعلاج مشكلة الاندماج والعودة إلى عصر التعايش. ومع ثورة النقل والمعلومات ظهر هناك “جسر فكري” يربط بين مركز الأمراض في الشرق القديم وبين أبناء هؤلاء المهاجرين، ولهذا نجد اليوم مدن أوروبا الغربية قد تحولت إلى حالة استخباراتية في كل الأحياء والضواحي التي يسكنها هؤلاء المهاجرون. هؤلاء ضحايا الشرق الأوسط وضحايا الجسر الفكري الذي يأتي إليهم منه. المعامل الثاني، هو انعدام القدرة على المنافسة مع العقل الأبيض التي اكتشفها أبناء الأجيال اللاحقة من المهاجرين في الفوارق ما بين عقلين، وقد كتبت عن هذا الفارق “البيولوجي الجيني” من قبل أكثر من مرة. هل كان أوباما وصادق خان حالتين فرديتين استثنائيتين أم انعكاسين لصعود مجتمعي شامل لهذه الأقليات؟ أنا تماماً مع الشطر الأول من السؤال. 

الوطن

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق