ثقافة وفنون

“حارة الشيخ” .. بين التأييد للعمل الدرامي والتعصب والتشكيك في هوية جدة

(أنحاء) – تقرير – خديجة العثمان : ــ

تعيش الدراما السعودية في رمضان حالة من الشد والجذب حيث أصبحت مادة دسمة يتناولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي في حالة من التعاطف مع مشاهدها اليومية تارة؛ والتهكم والسخرية تارة أخرى.

وبينما يبحث المشاهد عن غايته في عمل يلبي الاحتياج والمأمول يأتي مسلسل “حارة الشيخ” مثيرا للجدل؛ حيث انقسمت الآراء ما بين مؤيد للعمل الذي أحيا الدراما الحجازية من جديد وبين متعصب يرى العمل مغالطاً لتاريخ مدينة جدة.

“حارة الشيخ” هو أحد أبرز المسلسلات الرمضانية الذي لا يزال يتعرض للهجوم بشكل يومي من قبل المتابعين، متهمين كاتب العمل بتشويه صورة مدينة جدة والتلاعب بالهوية الحجازية، الأمر الذي دفع بالبعض للتطرق إلى المسائل العرقية إذ لطالما تشبعت الثقافة الحجازية منذ القدم بمزيج من مختلف الأعراق والقبائل.

المطالبة بايقاف البث هو اجحاف بحق الرسالة الدرامية

ووسط احتجاج بعض أهالي مدينة جدة بإيقاف بث المسلسل قال مؤلف العمل بندر باجبع لـ “أنحاء” إن طلب إيقاف البث هو طلب متهور وغير مسؤول معتبراً ذلك إجحافاً في حق من يسعى إلى إبراز الحكايات الحجازية والجداوية بشكل خاص في الدراما المحلية، ويرى أن هذا العمل هو بمثابة بوابة للكثير من الأعمال التي سترى النور قريبا – على حد قوله -.

ويكمل “باجبع” حديثه بأن المسلسل تعرض للكثير من الهجوم والاتهامات الباطلة وأن العمل بعيد كل البعد عن أي مغالطات بهدف تشويه هوية مدينة جدة واللعب بالرسالة الدرامية المراد إظهارها في المسلسل، نافيا بأن يكون هناك هدف أو مغزى مقصود من هذا العمل كما يزعم الكثير بأن العمل غالط تاريخ مدينة جدة؛ مشيراً إلى أن البعض يفسر ما بين السطور ويتكهن بحسب أهواءه.

ورداً على سؤال وجهته “أنحاء” حول ما إذا كان هذا العمل أثار النعرات والطائفية التي ظهرت بالتشكيك في هوية سكان منطقة الحجاز؛ قال بإنه لم يتناول منطقة الحجاز وأن القصة كانت تدور حول مدينة جدة التي تعتبر جزء صغير من الحجاز وهي ملتقى حضارات وثقافات مختلفة ومحضن لجميع الأعراق على مدى العصور.

ويختم حديثه قائلاً بأن المنطقة الحجازية أكبر من أن يشوه تاريخها بمسلسل خيالي يظهر للعموم بعض جوانب الحياة الإجتماعية في فترة زمنية تعود لأكثر من 200 عام تحاكي جغرافية المكان وطبيعة الإنسان في قصة لاتمت للواقع بصلة.

أبديت اعتراضي .. وباجبع أصر على عرض المغالطات

وحول السياق ذاته قالت الكاتبة الدكتورة لمياء باعشن لـ “أنحاء” بأنها سبق واطلعت على الخطوط العريضة للعمل في جلسة مناقشة جمعتها منذ سنتين بالكاتب بندر باجبع وذلك بعد اتصاله وطلب الاجتماع بها والإستعانة بمجموعة لديهم خلفية كاملة بتاريخ جدة.

وأكدت “باعشن” أن الكاتب ومن خلال سرده لسيناريو المسلسل اعترضت على جزئيات اعتبرتها مخالفة لتاريخ مدينة جدة وأنها عبرت لـ “باجبع” عن اعتراضها بكل شفافية؛ وحينها أبدى قبول رأيها مبدئيا؛ إلا أن عدم اتصاله بها قبل تنفيذ العمل أكد لها بأن المؤلف لازال مصرا على رأيه حول المغالطات الموجودة في العمل.

وتستطرد “باعشن” حديثها لـ “أنحاء” قائلة بأن المؤلف كان يستشهد بنجاح المسلسل السوري “باب الحارة” وأن جدة أيضا تحتوي على مثل هذه “الحارات” وكأن المؤلف بدأ خطاه لعمل نسخة موازية للمسلسل السوري “باب الحارة”.

وأضافت : المسلسل ساعد في تأجيج تراكمات العنصرية التي كانت خامدة؛ وترى بأن هذا العمل استغل بأسوأ الصور في وقت لا تسمح الظروف السياسية فيه في تصاعد هذه النعرات والصراعات وأن المجتمع اليوم في أمس الحاجة للحمة الوطنية بعيدا عن العنصرية والتفكك.

وتكمل لمياء باعشن حديثها بأن المرحلة التاريخية والإجتماعية لمدينة جدة ومنطقة الحجاز موثقة في كتب كثيرة؛ كان على المؤلف القراءة والاطلاع والاكتفاء بها لطالما لم يروق له الاستعانة بأهل الخبرة ممن لديهم الخلفية الكاملة عن تاريخ مدينة جدة؛ إلا أن لجوءه لهذا التشويه والاستسهال في هوية منطقة كاملة بحجة أن العمل مستوحى من الخيال يعتبر جريمة فنية لاتغفر – على حد قولها -، وأن المؤلف كان بإمكانه استغلال الفرصة واستثمار هذا العمل الضخم بشكل أفضل خصوصا وأن توقيت عرضه في شهر رمضان كان سيحصد الكثير من المشاهدين.

mbc تتحمل المسؤولية .. وتهميش بعض القبائل سبب هذا الضجيج

ومن جانبه أبدى الكاتب مروان السليماني رأيه لـ “أنحاء” حول مسلسل “حارة الشيخ” واصفاً إياه بـ “الممتاز” من ناحية عودة الدراما الحجازية للشاشة بعد فترة انقطاع طويلة وقلة ظهورها على الشاشة الفضية؛ مستنكرا الضجيج المفتعل الذي ظهر مؤخراً حول هذا العمل.

وأضاف “السليماني” أن سبب هذا الضجيج هو ورود بعض الأخطاء الفنية والمعالجة الزمنية التي أنكرها غالب المجتمع الجداوي  محملا قناة mbc الجزء الأكبر من هذه المسؤولية تجاه هذا الصراع وذلك بعدم عقد مؤتمر أو لقاء توضح فيه القناة مجريات وأحداث المسلسل والمعالجات والمراجع التي استقى منها هذا العمل مما سبب هذا اللغط.

وأشار “السليماني” إلى أن أهم ما في هذا الحدث هو ظهور بعض أبناء القبائل المنكرين لهذا التراث بسبب تهميشهم وتهميش تراثهم على حد وصفهم؛ مما أعطى حجم وتضخم أكبر للإنتقادات بمواقع التواصل الإجتماعي.

ويرى أن “حارة الشيخ” تسبب بتحريك العنصرية والطائفية الإجتماعية لدى بعض أفراد المجتمع ما بين ناسف للقيم ودخيل على التراث وما بين أبناء الأرض متناسيين تلاحم المجتمع الواحد تحت هوية واحدة للبلاد وهذا ما لا يريده العقلاء من تفتيت المجتمع والإنصهار بالكيان الواحد.

ويختم حديث لـ “أنحاء” راجياً أن تنتهي هذه الزوبعة بالقريب العاجل وأن لا تتعدى حدودها إلى مالا يحمد عقباه.

على منتقدي العمل منافسة العمل بدلاً من إثارة القلاقل

وقال مؤسس ورئيس المبادرة الوطنية للتحسين المستمر المهندس صالح السلمي لـ “أنحاء” إن المسلسلات التاريخية دائماً ما تتعرض لمثل هذه المشاكل ويثار حولها الجدل؛ وشبه تناول التاريخ درامياً بمثابة خوض معركة وصراع مع أطراف مختلفة الرؤى خصوصاً وأن التاريخ يعتبر موضوعاً مشتركاً للجميع، وأن تناول مثل هذا الموضوع هو عبارة عن تحقيق وجهة نظر من زاوية معينة غالباً لن تتفق عليها الأغلبية. 

وأضاف “السلمي” أن العديد من المسلسلات والأفلام التاريخية ينالها هذا الضجيج، وأن مسلسل باب الحارة السوري أيضا تعرض لمثل هذا الهجوم في سوريا ورغم ذلك لازال مستمرا وبجودة عالية؛ فالتاريخ يعتبر منطقة صراع في كل مجتمع، ولا يمكن الوصول لهذه الجودة العالية إلا إذا كانت البداية كما بدأ مسلسل حارة الشيخ وتبعها رغبة طموحة في التحسين المستمر حتى نصل بالمسلسلات القادمة لجودة أعلى.

وبعيدا عن الاختلاف والاتفاق، عبر المهندس السلمي عن رأيه لـ “أنحاء” حول عرض مسلسل “حارة الشيخ” معتبراً إياه بادرة جميلة في تناول قصة تحمل بعضاً من ملامح مدينة جدة التي تعتبر جزءً من منطقة الحجاز ولا يمكن اختزال الحجاز وتاريخه في مسلسل واحد؛ كما يرى بأن لكل كاتب عمل رؤية خاصة به؛ ولديه مساحة يتحرك فيها فإن أصاب كان العمل جميلاً وإن أخطأ هذا لا يعني أن يثار حوله كل هذا الضجيج الذي وصل حد الطرق على أبواب العنصرية وهو ما أسائني شخصيا.

واقترح “السلمي” على أصحاب الانتقادات اللاذعة إذا كانوا يرون في أن العمل لا يمثل مدينة جدة فالأجدى لهم أن لا يتوقفوا عن النقد فقط، بل يحفزون الكتاب الآخرين لمنافسة كاتب العمل الحالي بعمل أفضل منه بدلاً من إثارة القلاقل والوقوف عند نقطة الصفر.

ويكمل المهندس صالح مداخلته متفائلاً بأن الساحة الفنية في السعودية ستشهد لاحقاً الكثير من الأعمال التي ستتناول جدة من جميع الزوايا والفضل سيكون حينها لحارة الشيخ التي أتاحت هذه الفرصة لتقديم أعمال درامية ذات جودة عالية.

الجدير بالإشارة أن مسلسل حارة الشيخ هو أول مسلسل يأتي بعد غياب طويل للدراما الحجازية تدور أحداثه في مدينة جدة إبان العهد العثماني؛ وهو عمل مقتبس من الحكايات الشعبية التي تتضمن أحداثا تعرف بـ “البلطجة” وبعض الممارسات الخارجة عن النظام.

كما أن حارة الشيخ لم تكن موجودة ضمن حارات جدة القديمة وفقاً لما أكده المتحدث الإعلامي لأمانة جدة محمد البقمي لـ “أنحاء” بأن لا صحة لوجود حارة تدعى “بالشيخ” في تلك الحقبة الزمنية.

 العمل من تأليف بندر باجبع وإخراج المثنى صبح.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق