الرأيكتاب أنحاء

خارج أسوار القبيلة

ثمة شيء محير في كل المقارنات التي تجمعنا بغير المسلمين سوء من الغرب أو الشرق .. الأمر ليس حكراً على أمة بعينها ولا على ديانة ولا على لون أو عرق .. هم يتألقون بإبداعاتهم ونحن لازلنا مشغولين بأخطائنا .. نناقشها .. نحاول فهمها .. ونستميت لحلها .. نعاود الكرة في كل رحلة اخفاق نعيشها .. لكننا نخفق دوماً ونذهب باتجاه الانبهار بما يحققونه واحتقار منجزاتنا الهشة .

في كرة القدم وفي كل الرياضات التنافسية .. في السينما والمسرح .. في الأدب والموسيقى .. في الحرب والسلم .. في علم النفس وتطوير الذات .. في القانون .. في السياسة والاقتصاد .. في الجريمة .. في الأخلاق التي هي من صميم ديننا .. في كل منحى من مناحي الحياة .. نجدهم قد تخطونا بمراحل حتى أصبح أمر مضحك أن نقارن بهم .

يذهب البعض لإلصاق ذلك بالمتدينين من باب تقييدهم للحريات وقمعهم للإبداعات مستدلين بحقبة فشل عاشتها أوروبا وقت هيمنة الكنائس وانطلاقتهم نحو التألق بعد التخلص من سطوتها وحصرها في إقامة صلوات الأحاد ورعايتها للمآتم والحفلات دون أي تدخل في حياة الناس .

البعض يراها في أوضاع سياسية غير مستقرة لا يستقيم معها التفكير إلا  في لقمة العيش .. والبعض من معتنقي فكر المؤامرة يرمون كل ذلك في سلة أمريكا وإسرائيل ويرونها سبباً في كل ما نحن فيه .

بالتأكيد الأمر لا يتعلق بكل ذلك إلا بنسب قليلة غير مؤثرة .. فالدين الحق لا يقمع الفكر والدليل أننا تفوقنا في وقت كان التزامنا بديننا في أوجه في عصور الإسلام الأولى .. كذلك الأوضاع السياسية ليس لها ذاك التأثير القوي لأن الإبداع والتفوق أمر شخصي لا تتحكم فيه أي سلطة .. وبالتأكيد أمريكا أو إسرائيل وكل أجناد الأرض لن تستطيع أيقاف تميزنا إن أردنا ذلك .

إذاً أين تكمن المشكلة ؟!!

باعتقادي أن المشكلة ترتبط في المقام الأول بالتجمعات القبلية والعائلية التي خلقت مجموعات بشرية تتعاضد ببعضها البعض وتخلق اتكالية تدفع الجميع نحو انتظار المنجز من الأخر والتغني به في قنوات الهياط الفضائية .. بالإضافة لتكتلها خلف أبنائها الفاشلين في مواجهة المبدعين إن كانوا من خارج القبيلة.. عكس ما نراه في مجتمع الأقليات المضطهدة الذي دائماً ما يبدع انطلاقاً من ايمانهم بعقيدة ” أن البقاء للأقوى ” والتي تدفع الجميع نحو البذل والعطاء حتى تقوى المجموعة وتستطيع الصمود في مواجهة الأعداء ولعل في ملوك الطوائف بالأندلس ما يؤكد ذلك حين كان الاضطهاد سبباً في ازدهار الأدب وكافة العلوم الإنسانية.

أمر أخر باعتقادي له اليد الطولى في سلسلة الإخفاقات التي نعيشها أعزوه للأمن العائلي والأمن الوظيفي هذان الأمران اللذان يكفلان بحبوحة من العيش للكسالى وعديمي الطموح .. فالعائلة لا تتخلى عن ابنها مهما كانت اخفاقاته وكذلك الحكومة لا تطرد موظفيها مهما كان تقاعسهم وبلادتهم مما أوجد لنا مجتمعاً من الكسالى المعتاشين على الفتات المقدم لهم مقابل الانشغال بملذاتهم وتفرغهم لأهوائهم الشخصية .

الحل ببساطة شديدة يكمن في تغيير الفكر الاجتماعي الحاضن لإخفاقاتنا والذهاب باتجاه اجبار الأبناء على الاعتماد على أنفسهم في صنع مستقبلهم دون الاعتماد على أسرتهم أو قبيلتهم وتغيير أنظمة الدولة بحيث يتم القضاء على الأمن الوظيفي باستخدام العصا لمن عصا وخلق مجال تنافسي للمبدعين يرتقون فيه سلم المجد بإبداعاتهم لا بعلاقاتهم الشخصية وقبل كل ذلك القضاء على سطوة القبيلة والعائلة والعادات الاجتماعية القاتلة التي بموجبها يتصدر الفشلة ويتأخر المبدعون .

نفعل ذلك أو نبقى نتأمل في واقعهم الإبداعي وواقعنا المخجل داخل أسوار القبيلة .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق