تقارير خاصةثقافة وفنون

“تشابك” في افتتاحية مسرح التلفزيون .. وزير الثقافة والإعلام: لدينا خطة شاملة لتنشيط العمل المسرحي

تقرير – د. ناهد باشطح : ــ

أكثر من ثلاثين عاماً ومبنى مسرح التلفزيون بلا أي نشاط، ثم في اليوم العالمي للاحتفال بالمسرح هذا العام 2017 وفي يوم الاثنين 27 مارس ازدانت صالة المسرح بالمثقفين والمسرحيين لحضور مسرحية “تشابك”، الحائزة على ثلاث جوائز في مهرجان الشارقة الخليجي للمسرح.

لقد تمكنت “فرقة الوطن المسرحية” من انعاش علاقة المؤلف فهد رده الحارثي والمخرج أحمد الأحمري، بعد مرور خمس سنوات على آخر عرض قدماه معاً.

يتحدث البعض عن غياب المسرح السعودي والبعض الآخر لا يفرق بين المسرح السعودي وبين مسرح التلفزيون الذي عاد إلى الحياة، كيف عاد الى الحياة بعد موته؟ ولماذا عاد؟

إليكم القصة منذ بداياتها :

بث الروح في مسرح التلفزيون

في تأسيس رسمي للثقافة المسرحية، أوضح وزير الثقافة والإعلام الدكتور عادل الطريفي خلال كلمته التي ألقاها في مؤتمر الأدباء السعوديين، ونشرت عنها “واس” خبراً، يوم 28 نوفمبر 2016، “أنه تم العمل على إعادة مسرح الإذاعة والتلفزيون حتى يتمكن من تقديم الأعمال الأدبية السعودية من قصص وروايات إلى الجمهور السعودي وحتى يكون الإعلام المرئي لدينا هو عاكس لنتاج الأدباء والمثقفين، وهناك خطة شاملة تتعلق بتنشيط العمل المسرحي في كافة أرجاء المملكة.”

بعد حوالي شهر ونصف من كلمة الوزير الطريفي، وضحت التحركات الجادة لعودة المسرح بصورة عملية، حيث تم تعيين الفنان عبدالإله السناني مستشاراً للوزير ومشرفاً على مسرح التلفزيون.

في موقع العربية كتب الأستاذ سعد الحميدين مقالته تعليقاً على تصريح الطريفي، وأشار إلى التاريخ المغيب لمسرح التلفزيون الذي بدأ في الستينات وكان امتداداً لمسرح الإذاعة ويشرف عليه الفنانون من العاملين في وزارة الإعلام وخارجها.

عودة مسرح التلفزيون مع “تشابك”

في الساعة الثامنة والنصف من مساء يوم 27 مارس رفع الستار عن صندوق خشبي مستطيل يشبه التابوت له فتحتين وشخصين امتد بهما الحوار طوال المسرحية.

لكن لماذا مسرحية تشابك بالتحديد؟

قال مستشار وزير الثقافة والإعلام المشرف العام على مسرح التلفزيون الدكتور عبدالاله السناني “إن هذه المسرحية حققت ما لم تحققه أي مسرحية في مهرجان الشارقة الخليجي المسرحي فقد حصلت على ثلاث جوائز، وحرّي بنا في مسرح التلفزيون اليوم الاحتفاء بها لأن هدفنا في مسرح التلفزيون جعله منصة إنتاجية تقدمُ الثقافة للمجتمعْ ضمن تفاصيل حياته، وهو الهدف الذي دعمَته رؤيةُ 2030 حين أكدتْ أنّ الثقافةَ جزءٌ لا يتجزأْ مِنَ الحياةْ، مسرح التلفزيون كان له الدورَ الرياديّ في إبرازِ الأعمالِ المحليّة التي أنتجَها الفنانون السعوديون في مجالاتِ الغناء، والمسرحياتِ، ومن هنا نؤكّدُ على تكريمِ الروادْ من خلاله وفتح المجالات للمواهب الشابّة”.

إذن فإن مسرح التلفزيون سوف يكون حلقة وصل بين الرواد المسرحيين حتى لا يغيبوا عن الذاكرة الجماهيرية وبين جيل قضى ثلاثة عقود يحفر في الصخر حتى استطاع أن يُسجل اسم المملكة في مهرجانات خليجية وعربية وسيكون منصة عرض لنتاج المسرحيين من مختلف الجهات.

د.عبد الاله السناني

واقع المسرح السعودي اليوم

عودة مسرح التلفزيون لا تعني أنه لا يوجد حركة مسرحية قبل وجوده، فقد شهدت الخمسينات أول بوادر التجربة المسرحية السعودية، حين أسس أحمد السباعي مسرح قريش في مكة، واختار مسرحية «صقر قريش» لتعرض في ليلة الافتتاح، ولكنها لم تعرض!!

 لكن تاريخ المسرح بدأ قبل ذلك

كانت هناك بدايات للنص المسرحي، وظهر أول نص مسرحي مكتوب عام “1932م”، وقام بتأليف هذا النص المسرحي الشعري الشاعر حسين عبد الله سراج، ويقول عبدالرحمن الخريجي في كتابه «نشأة المسرح السعودي» الذي صدر عام 1986: «لا شك في أن المتتبع للمسارات الأدبية في الوطن العربي الكبير سيجد المملكة العربية السعودية تأتي في مؤخرة معظم الدول العربية فيما يخص المسرح بأنواعه الثلاثة التعليمي والخاص والعام،…ويضيف أن المناخ السياسي والاقتصادي أو الاجتماعي لم يبدأ إلا حديثا جدا قياسا بحياة الأمم أو الدول”

“وكثير من المؤرخين للمسرح السعودي يشيرون إلى الشيخ أحمد السباعي أول من قام بإيجاد أدب للمسرح في البلاد، فهو أول من أوجد مدرسة لتعليم التمثيل وأول من أنشأ بناء خاصا بالعروض المسرحية وأول من استقدم مخرجا للأعمال المسرحية، واستمر الحال عنده نشطا فكان «دار قريش للتمثيل الاسلامي».

إذاً فالمسرح السعودي موجود وإن كان بلا تجهيزات متطورة تقام عليه فعاليات المسرحيات لكن المسرحيون لم يتوقفوا عن النشاط المسرحي، وذكر موقع محترف كيف أن هناك 25 فرقة مسرحية أهلية و 15 فرقة مسرحية تابعة لفروع الجمعية السعودية للثقافة والفنون، إذاً ما جدوى عودة مسرح التلفزيون؟

“تشابك” وجمهور فهد الحارثي

بدأت وكغيري من الجمهور في الاستغراق في نص رمزي عميق، أمامي شخصين يفجران عبر ممثلين مبدعين هما : سامي الزهراني و عبدالرحمن المزيعل

عدد كبير من الأسئلة الفلسفية المتشابكة بحيث يجعلانك من شدة الانسجام تشعر أن المسامير تدق في رأسك لتفكر.

سألت عراب المسرح الأستاذ فهد ردة الحارثي عن هذا السحر الذي حاز على جائزة أفضل نص مسرحي في مهرجان الشارقة الخليجي المسرحي فقال: “من خلال علاقتي بفن المونو دراما أسعى لخلق حالة من المقاربة بين الحكواتي والسرد ولغة الحوار، في هذا المسرح الممثل الفرد يشبه القاص في كثير من التفاصيل، وهذا النص هو السابع بالنسبة لي تحديداً في فن المونو دراما إضافة إلى نصوص عديدة للمسرح الجماعي سواء للكبار أو للصغار، لابد للنص أن يكون مختلفا لقد كتبت أكثر من خمسين نصاً لا يشبهون بعضهم البعض هذا النص هو فكرة الإنسان مع ذاته … الحالة كحالة إنسانية طرح الأسئلة الاتفاق والجدال كل هذا يتلقاه المتلقي بحسب حالته وأفكاره وثقافته.

لقد استطاع الأحمري كمخرج أن يستخرج من عوالم النص ما استطاع أن يصنع به للجمهور حالة من البهجة التي تجعل للنص مدخلاً إلى عقل وقلب المتلقي.

المسرح بالنسبة لي حالة من التوحد خبرتها خلال ثلاثين عاماً من العمل في المسرح ولأجله واليوم نستبشر بعودة مسرح التلفزيون إلى الحياة ليعود للمسرح وهجه”.

أحمد الأحمري والصندوق

كيف استطاع الأحمري – والذي حازت مسرحيته على جائزة أفضل عمل مسرحي متكامل – تفكيك نص “تشابك” الرمزي؟

هل تصدقون أن المسرحية بها ثلاثة ممثلون مع أننا لم نشاهد إلا اثنين هما سامي الزهراني و عبد الرحمن المزيعل؟

كيف ذلك ؟ هذا ما أخبرني به المخرج المختلف الأستاذ أحمد الأحمري والذي ابتعد عن الإخراج طيلة خمس سنوات لتدريب جيل من الشباب على الإخراج.

بادرته بسؤالي ما قصة الممثل الثالث؟

قال : هو الصندوق الذي حوى جسداً واحداً لروحين هما الإنسان ونفسه.

ثم بدأ في الحديث “منذ أكثر من 25 عاماً عملنا في المسرح، لم نكن ننتظر أي دعم من أي جمعية أو وزارة وقمنا على عرض أكثر من 60 عملاً مسرحياً خارج السعودية وكان كل هدفنا نحن فريق العمل في المسرحية أن نبرز هوية المسرح السعودي، من خلال ورش عمل مسرح الطائف التي أسستها عام 1413هـ مع كثير من الزملاء والأصدقاء”.

سألت المخرج عن دخول النكت واللهجة المحلية في نص عميق باللغة العربية الفصحى فقال : “ربما لاحظتِ وأنتِ على مقعد الجمهور أن الأسئلة الفلسفية ترهقك، هنا يتدخل المخرج ليريحك من التفكير بتقديم ما يمكن أن يريحك ويضحكك وهو ما يسمى «كسر الجدار الرابع» في المسرح لبريخت، هذا المفهوم الذي يفسر حالة الوهم التي يعيشها الجمهور في المسرح التقليدي، وتجعله أسيراً للنص المكتوب، ولحالة الإيهام التي يتقمصها الممثلون على خشبة المسرح.

لقد اهتممت بجعل الجمهور متفاعلاً وشريكاً في صنع الأحداث، ولقد حضرت كمتفرج لأدون الملاحظات وأشعر بحالة المتلقي، ومتفائل بعودة مسرح التلفزيون فالديمومة مهمة والتلفزيون يقدم رسالة المسرح الحركية وعلى الإعلام أن يهتم أكثر بالمسرح”.

المخرج أحمد الأحمري

صدّيق حسن والحركة المسرحية

الصندوق الخشبي والثياب المعلقة والمبعثرة شدتني لأسأل المهندس الذي حاز على جائزة أفضل ديكور في مهرجان الشارقة الخليجي للمسرح.

قال صدّيق حسن: “إن العمل في المسرح لا يتوقف عند انجاز المهمة، هو في الأساس مسؤولية تمثيل المملكة في مهرجانات خارجية وقد سعدت بالعمل في مسرحية “تشابك” حيث يحتوى النص على الرمزية التي اشغلت ذهني بمساعدة المخرج على إبراز دلالات النص لإيصال الحركة للجمهور.

سعيد بعودة مسرح التلفزيون، يضيء طريق الفنانين المتعطشين للعمل وفق رؤية شبابية يحملها على كتفه الفنان عبد الاله السناني، لكنني لا أتفق مع أننا اليوم نشهد بداية المسرح السعودي فقد بدأ المسرح منذ سنوات حتى أثناء توقف مسرح التلفزيون كان المسرحيون يعملون ويمثلون الوطن في محافل خارجية.

وقد اعتدنا على دهشة الجمهور في الخارج حين نعرض مسرحياتنا دون أن يحتضننا مسرح في بلادنا، لذلك أُحيي عودة مسرح التلفزيون لأننا من خلاله سنعيد رموز تاريخية وأعمال نخبوية ثقافية صنعت لنا اسما في المشهد الثقافي العربي”.

مهندس ديكور المسرحية صديق حسن

نايف البقمي والوطن :

منذ عام تأسست ورشة العمل المسرحي في الطائف 1413هـ، ثم انبثقت منها فرقة الوطن المسرحية التي تأسست منذ أقل من عام، وعندما عرضت أول مسرحية لها فازت بثلاث جوائز.

سألت مؤسسها نايف البقمي لماذا الوطن؟

قال: “اختارت الفرقة “الوطن” اسما لها لتعيد ترتيب جودة العمل المسرحي في بلادنا، وإعطاء المبدعين فرصة عرض مواهبهم والإسهام الفعال في الوسط المسرحي.

لقد أسست هذه الفرقة في رمضان 1437 هـ، والحمد لله العرض الأول الذي قدمناه وهي مسرحية “تشابك” حصل على جوائز عدة، بالإضافة إلى أني أعتز بعودة المخرج أحمد الأحمري بعد انقطاع خمس سنوات عن الإخراج المسرحي”.

نايف البقمي مؤسس فرقة الوطن المسرحية

في المسرح مخرجة:

كنت أتابع تحركاتها في جنبات المسرح وأتسائل عن فتاة شابة وعلاقتها بالإخراج المسرحي وليس لدينا هذا التخصص مهنيا للفتيات.

قالت عبير العنزي التي درست الماجستير في الإخراج في الولايات المتحدة: “عندما دخلت مسرح التلفزيون للمرة الأولى تخيلت أني دخلت مدينة مهجورة وأغراني اكتشافها بالعمل مع فريق العمل رغم أن عملي هو إخراج البرامج الوثائقية.

العمل كان مختلفا تماما عن عملي في قناة الإخبارية ولكنه كان تحديا جميلاً لأنني شعرت بالمسؤولية لإحياء تاريخ رواد المسرح في بلادي خاصة وأننا جيل لا نعرف شيئاً عن مسرح التلفزيون ودوره الهام في تأسس المسرح”.

المخرجة التلفزيونية عبير العنزي

وبعد،

سيترقب الجمهور أن يخرج مسرح التلفزيون كما قال المسرحيون الذين التقيتهم هذه الليلة برؤية شابة على يد الفنان عبد الاله السناني، الذي طالما بقي يحلم ويحلم بنهضة الفن في بلادنا ومعه المخلصين من الفنانيين فسوف تتحقق كل الأمنيات بتنشيط الحركة الفنية والمسرحية بشكل خاص، لاسيما وأن رؤية 2030 دعمت الفن، وقد أعلن وزير الثقافة والإعلام د. عادل الطريفي

عن مشروع حمل عنوان (المجمع الملكي للفنون)، الذي يهدف إلى “تعزيز الثقافة والفن، والاهتمام بمتطلبات الأجيال من المثقفين والفنانين السعوديين وإيجاد مؤسسات قادرة على رعايتهم ويستطيعون من خلالها عرض فنونهم وتوثيقها والمحافظة على الثقافة الوطنية، وتعزيزها وأيضاً سيكون مجالاً لإعطاء الأجيال الشابة صورة عن المملكة العربية السعودية وتاريخها”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق