الرأيكتاب أنحاء

في ثنايا بلدي كنوز نفيسة

لم أكد أصدق حينما رأيته في المرة الأولى، بأنه ذلك الشاب، الذي كان يتناقش معي طويلا من خلال مجموعة وتسأب للمثقفين، فجلست لدقائق بل لأيام أفكر في هذا الكيان المفعم بالثقافة، الشاعر العاشق، والذي يرتدي جسد شيخ مهاب الطلعة كان من قبلنا حتى تعدى التسعة عقود من حياته الزاهية.

الشاعر الفصيح ميمون السبيعي، تلك الهامة، التي حضر بدايات تكوين الدولة السعودية، فعاشرها بأنفاسه وطموحاته، وعشقه لمواطن الجمال.

التحق بسلاح الأمن، وأستمر يخدم حتى بلغ رتبة لواء مستحقة، قبل أن يترجل عنها.

ذلك الشاعر الجزل، الذي تشعر بأن أبياته الفصحى أندلسيات تقرع أجراس ذكريات، وبطولات هام فيها عشقا بغانيات شنقيط، والأزبكيات، ومانشستر، ومصر، والصنعانيات، وتونس، وخرج زرقاء اليمامة.

سألته بلسان الدهشة، فقال لي تخصصي التاريخ، ولم أدرس اللغة العربية أكاديميا، ولكني درستها بمشاعري وعمري وحبي، وتجذر وتملك الوارث.

ذاكرته النجيبة آلة زمن، تحمل من يجالسها على جنحها، وترحل به إلى أبعد مدارات التاريخ والجمال، والواقعية، ومنحنيات الروح الفتية، التي تستمر مشتعلة بالحب مهما مر عليها من أطلال ورسوم.

طلب مني في حفل مغاربي أن أقوم وألقي قصيدة معارضته لقصيدة نزار قباني في الحمراء، فشعرت بعظم المسؤولية، وتساءلت البعض عن سبب اختياره لي!

قرأتها من فوق المنبر، وأنا أشعر بأني خليط من ذاتي، ومن ميمون، ونزار، وبأني ابن زيدون الأندلسي يترنم: أضْحَى التّنائي بَديلاً عنْ تَدانِينَا، وَنَابَ عَنْ طيبِ لُقْيانَا تجافينَا.

قرأتها بكل مشاعري:

على خُطا نزار في غرناطـه

فـي ساحـةِ الحمراءِ جَدَّ عِنادي

بالفـنِّ.. بالتاريــخِ.. بالأمجـــادِ

أغترُّ بالحمراءِ في ساحاتيها

(تتوالدُ الأبعادُ من أبعادِ)

ودليلتي الشقـراءُ ينَفُـثُ شَعرُهـــا

خِصَلاً علـى كَتفـي كهمسِ وِداد

يبـدو تَميَّزُهـا ويَصْحَـبُ شرحَهـــاَ

كَـرَمُ الجمـال بقِـدِّهـا الميــَّـــادِ

عينانِ شهـلاوانِ، هلْ قـادَ الهــوى

غنــجٌ بعينيهــا.. ودَلٌ بـــــادِي؟

تغلـوُ بقيمــةِ أهلهــا وجمالِهـــا

كَغلُـوِّ سلمــي بيننــا وسُعــــادِ

لِلهِ دَرَّيْ حينمـــا ناديتُها

مِـن بيـنِ عـارضِ خدمةٍ ومنــادي

حَدَّجْـتُ ما تعني نبالةُ زهْوِهـا؟!

أحفـيدتي؟ أم قَزَّمَت أحفــــادي

( هل أنتِ إسبانيةٌ ؟ ساألتُها

قالت: وفي غرناطةٍ ميلادي)

قلْ يا صديقي من سلالةِ فاتحٍ

أعلاهُ (فِرْنا نْدو) على الأجنادِ

وبكأْسِ (إيْزَبْلا) ثمِلْتُ نبالةً

وسيوفُ قومي جفَّفت أحقادي

أنظرْ إلى جبلٍ هُناك بكى بهِ

سلطانُكم قهراً من الإبعادِ

سلطانُنا ؟! ومضيـتُ أبعـدَ شــارداً

بمشاعـرٍ سـودٍ وثـوبِ حـِـــدادِ

ومعـي الجموعُ وقد عَميتُ فلا أرى

 إلا شَماتــةَ حاقـــدٍ ومُعــــادي

سُيَّاحُ قومـي يضحكـون بنشــوةٍ

مـا خِلـتُ مَسَّـت طـارقَ بـنَ زيـادِ

هل جئتُ للحمـراء تَجـرحُ خافِقــي

وتعودُ تشـربُ مـن نزيـفِ فــؤاديِ

قالتْ لي الشقراءُ تَنبشُ خاطرِي:

ألغيـرِ صَوتـي مُصْغيـاً لِمُنـــادي؟!

في ذلـكَ المقهـى سنشـربُ قهــوةً

وأقولُ أجمـلَ مـا تجِــنُّ بــلادي

ماذا أرادتْ ؟! هـل إغاظـةُ شاعـرٍ؟

بِــدلالِ وارثِــةٍ، وخُبْـثِ مـُــرادِ

شكراً فتاتي، قد ثملتِ، أما كفى؟

ما نلتِ مني، من دمِي وعنادي

خُوضي بوادٍ لا عليكِ مدلَّةً

وفتاكِ وفتاكِ مجروحُ الفؤادِ بوادِ

(قَبَلْتُها، قَبلتُ قبــلَ وَدَاعِهــا)

أجداثَ مَـنْ في الأرضِ مِـنْ أجـدادي

كنت أختلس النظر إليه من فوق المسرح، فكان يجلس منتشيا في الصف الأول، وكأنه فارس يمتطي الدنيا بمفرده، وكنت أشعر بأن كل كلمة تخرج مني تقترب من سمعه، وتشحذ حسه وتعتصر قلبه، وكنت بين الأبيات مشغول بأمنية اقناعه بأني لست مجرد صوت صدى، ولكني حس قريب من مشاعره، أستشف أهمية حروفه، وأشعر بالمسؤولية العظمى لترديدها، وأعمل على إخراجها بنفس روحه الشابة، والتي تطغى على زوايا الصورة، وتبارك الإيماءة، وتفهم جرس صوت عمق المعنى.

الشاعر ميمون، الذي كان في مراسلاتنا السابقة قد أبهرني بقصائد عدة، صاغها باقتدار العارف، وكنت أطالعها، وأبين له مناطق الجمال فيها، ومناطق العمق، وكان مقتنعا بنقدي، لا يعلق.

ومنها على سبيل الدلالة مخاطبته لشيهانة:

يا أُزْبَكيَّاتُ ما بعضُ الهوى لَعِبٌ

يا أزبكيَّات مَن زانَ الهوى شانَهْ

يا أزبكياتُ إنْ حال الهوى رتبٌ

لَكُنَّ فيه اللوا، تَملِكْنَ ميدانَه

قستْ جراحُ الهوى مِنكُنَّ فانْطلقتْ

أسرارنا بعذارى الشَّعرِ فلتانَه

يا حورَ (دُمَّرَ) يا (فاسُ) وجيرتَها

ويا شوادنَ (مصرَ) كاَن ما كانَه

عفواً، جآذرَ نجدٍ قلتُ: ما افْتخرتْ

أرضٌ بمثلكِ. فاستثنيتُ (فرعانَه)

طوبى وبعداً لما أجنت مصافحتي

أدنتْ مُولِّهتي، فارقت ولهانة

لوَ النُّهى حاضِرٌ إذْ هي تصافحني

ما سلْتُ عن بيتِها، أو شئتُ عنوانَه

وصَلتُ حَبْلي بها، غابَ النُّهى، قُدِرتْ

سبحانَ مَن وصل الحبلينِ سبحانه

وفي ندائه لحبيبته (لوها)، وتشبيهه لها بمهرته الدهماء، يدهشني بخياله ومشاعره في قوله:

وحين عدوتِ يا (لوها)

وأقبلتِ، وأدبرتِ

وشاقْيتِ وشاقاكِ

شقاوى غُربةٍ مثلي

حسبتُكِ مهرتي حضرت

شموخٌ وهي صافنةٌ

وعنفٌ وهي نافرةٌ

وجيدٌ وهي تنعطفُ

وعرفٌ وهي تنحرفُ

وإن أقْبلـتِ يالوها

أراهنُ أنكِ الأجملْ

تقبلني.. وتنصرف

وفي دفتر الغربة يناجي صيف (تشستر): 

تفاجئُني، تُفاجئُني

تعابثُ منكبي يدُها

ترشُّ بشعرِها كَتِفي

تميلُ برأسِها، تهمسْ

ويهمسُ قبلها العطرُ:

أنا ريفية (مامي)

تقول: حذارِ يا (لوها)

من الغربا، أبي أيضاً،

وجئتُ لمعهدِ (تْشستر)

لتدفعَ ليْ رقاعَ الشعرِ

تنْدى طيبَ أو سحرا

وتقرأُ ليْ فتبهرني

أقول: أعد، وتستحلي

لأمي يا لها بشرى:

جِواري شاعرٌ عربي

فَتِىُّ شِعرُه يبهرْ

أراني نجمةَ الزهرةْ

وأقسمَ أنني (فينوسُ)

عادت مرةً أخرى

وأمُّي الشمسُ أوْلدها

 بـ (لوها) سيدي القمــرُ

غداً ألقاه أخبـرُهُ:

هنيئاً يا فتى الفتيان،

يدي ممدوةٌ ها هي.

حقيقة أني كنت أريد أن أتجول معكم أكثر، وأغوص أعمق في معطيات كل كلمة، وكل بيت ترنم به هذا الهامة العالية بالتفصيل، ولكني كناقد لا بد أن أوجل ذلك لموضوع بحثي أخر، وأترك لكم أحبتي هنا التمعن في تلك الأبيات، والتي لا يخفى حسنها على ذائقة، فهي تعطي الكثير من المعاني، والصور اللامتناهية.

موضوعي هذا مجرد سطر مبدئي عن صديقي ميمون، ولعلي مستقبلا أن أرضي طموحاتي الشخصية وذائقتي بالوقوف مرات ومرات مع هذا الحالة الخاصة من الإنسانية والشعر والأدب، والأخلاق، والعمر الممتلئ بالكنوز.

وكلي أمل بأن أكون قد استطعت تسليط الضوء على الكنز، وأن أترك لغيري حرية المساهمة في التنقيب عن الأيقونات والنفائس في مغاور شخصيته المحببة حفظه الله، وفي حكايته الطويلة البديعة المدهشة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق