الرأيكتاب أنحاء

فقاعة .. يبددها الواقع

بعض الممارسات الخاطئة أوشكت أن تجعل من النفاق والخداع والكذب والتزييف جبلة وجزءاً لا يتجزأ من تربيتنا حتى ظن البعض أن حياتنا لا تستقيم إلا معها .. نمارسها داخل منازلنا وفي أعمالنا وحتى في علاقاتنا الشخصية .. نتقبلها لأننا نخفيها خلف مسميات براقة تجعلها جميلة ورائعة .. نسميها ذوق ورقي وذكاء اجتماعي ونعدها من الأساسيات التي نرتكز عليها في علاقاتنا الإنسانية .. نؤمن بها وننكر على العاجزين عن القيام بطقوسها ونصفهم بالجفاف والقسوة و” الجلافة ” وندعو لهم بالهداية حتى يصبحوا منافقين مثلنا .

لا أعتقد أن المسؤولية تقع على الأسرة لوحدها كون الموضوع يفوق تأثيرها فالمجتمع كله يسهم في هذا الغراس الشائن حتى أصبح خلقاً نفخر به شيباً وشباباً.. نجده في الشارع عندما يستنفر المسؤولون المحليون لإظهار شوارعهم بأجمل حلة وغسلها بالماء والصابون وإخفاء عيوبها استعداداً لاستقبال الوزير أو الأمير دون حياء ممن يمرون بجانبهم ويشاهدون الغش الفاضح الذي يمارسونه ولا يتحرجون على الاطلاق من عودة شوارعهم لسابق عهدها إن لم تكن أسوأ بعد رحيل أصحاب السمو والفخامة .

في المدارس أيضاً تنتاب الجميع حالة من الإرباك عند قدوم أحد المسؤولين .. نراهم يمارسون كل أنواع الخداع والتدليس في محاولتهم الظهور بمظهر رائع يخفي واقعهم السيء ويعودون بعد رحيل طويل العمر لممارساتهم الخاطئة دون الخجل من طلابهم بل قد يشكرونهم على مشاركتهم الفاعلة في الجريمة وإجادتهم القيام بالأدوار التي وزعت عليهم .

في الإعلام نُزيف الواقع فنختار الزوايا حسب توجهاتنا ونسلط الأضواء وفق أهوائنا ومنطلقاتنا الفكرية ونحجبها عما يسوؤنا ونصف ما نقوم به زوراً وبهتاناً بالمهنية .   

في البيت أيضاً كنا نفرح ونحن صغار بقدوم الضيوف لأننا سنأكل أفضل الأطعمة ونشرب أفضل المشروبات ونشم أطيب الروائح ونرتدي أفضل الملابس ونتقبل على مضض النطق بأفضل العبارات والقيام بأفضل السلوكيات كوننا سنعود بعدها لوضعنا الطبيعي ونمارس حياتنا دون حسيب أو رقيب بل ربما يترك لنا الأهل فسحة من الوقت للتنفيس عن الكبت الذي عشناه فنطلق العنان لرغباتنا المكبوتة وننطلق للشارع حفاة عراة متجردين من أية قيود أخلاقية ونفعل ما لم نفعله قبل قدوم ذلك الزائر الثقيل .

هكذا تربينا على الظهور أمام الناس بالمظهر المشرف وفعل ما نشاء في الخفاء .. فأصبحنا لا نتورع عن الحديث بسوء عن والدينا أمام الأصدقاء وتقبيل أيديهم عند اللقاء .. كذلك نسب ونلعن رؤساؤنا في غيبتهم ونقدم صنوف المحبة والولاء في حضورهم.. حياتنا أصبحت وجهين مختلفين أحدهم حقيقي مخجل والأخر رائع لكنه مزيف .

ربما نكون بحاجة لتغيير قناعتنا حتى ندرك أن المثالية التي نمارسها في بعض المواقف ينبغي أن تكون وجهنا الحقيقي وخطوتنا الأولى نحو التميز والإبداع بدل أن تكون مجرد فقاعة يبددها واقعنا المزيف .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق