الرأيكتاب أنحاء

قسوة .. النجباء

في الحياة عموماً .. مهما كانت امكانياتك وقدراتك ستكون حتماً بحاجة ماسة لمن يأخذ بيدك ويرشدك للطريق الصحيح ويزودك بالخبرات التي تقصر عليك المسافات وتدعم توهجك وتظهر بريقك وتصقل إبداعاتك .. بدون هذا المرشد ربما يتأخر كثيراً بروزك وقد تتعثر في البدايات وقد تلفظك إلى خارج المسار بعض المعوقات التي لا تقوى على تجاوزها بدون تلك اليد الحانية التي تنتشلك من الضياع وتضعك على الجادة وترافقك حتى تصل وتحقق كل أهدافك .

في ضوء هذا المعطى البسيط أعتبر نفسي محظوظاً جداً أن ألتقيت بالأستاذ حسن يرحمه الله في بداياتي برغم القسوة التي انتقدتها في حينها وربما أغضبتني وجعلتني أبحث عن البديل عند رفضه لأحد مقالاتي واعتذاره عن نشره لكونه دون المستوى .. أتذكر وقتها ومن باب الانصاف أنه تعامل معي بأسلوب لم أعهده من قبل فقد عاملني بأدب جم رغم الرفض .. لم يتهرب مني كما يفعل غيره ولم يقزم مشروعي الصغير ويحطم آمالي بل كان توظيفه للموقف في مصلحتي تماماً وكأنه أراد انتشالي من وحل الإخفاق وتحفيزي لبذل مزيد من الجهد لتجاوز أول محطة للفشل  .. يومها قال لي عباراته التي لن أنساه .. ” أشعر أن لديك أكثر من هذا .. حاول مرة أخرى ولا تتوقف .. تملك قلم ولكن تحتاج فقط للتركيز أكثر والاقتراب من هموم الإنسان البسيط .. حاول كسر بعض المحددات القاتلة لموهبتك وسيكون في مقدورك أن تكتب مقالاً رائعاً ” ..

لأنه تحدث معي بهذه اللغة الراقية ومنحني من خبرته خلاصتها كان رفضه درجة أصعد عليها لتحقيق آمالي بالتواجد الدائم على صفحات صحيفتي الغراء أنحاء فكانت بالفعل انطلاقتي التي لم يرفض لي بعدها أي مقال وأصبح ذاك المقال المرفوض هو وقودي للمثابرة بغية الوصول للتميز والإبداع .. أطالعه بين الفينة والفينة وابتسامة الرضى ترتسم على شفاهي عندما أتذكر أنه كان سبباً لتلقي تلك الكلمات الرائعة من أحد القامات الإعلامية السامقة التي أنارت طريقي وانتشلتني من رحلة التيه التي عشتها لفترة بين كتابة الموعظة والقصة والمقال .

لذلك أجدها فرصة في هذه الذكرى المؤلمة لأقول للفقيد الغالي شكراً بحجم السماء فقد وضعتني على أول سلالم المجد ومنحتني القوة التي أواجه بها شطحات قلمي ونزيف أحرفي وانغلاق فكري وإن كنت أعتب عليك تركي وأنا لا زلت أحبو وأتلمس طريقي في الظلمات وأفتقد تصويباتك وملاحظاتك واجازتك لمقالاتي التي كانت تعني لي الشيء الكثير لكنها أقدار الله التي ليس منها مفر ..

في النهاية ربما أكون بحاجة للاعتراف والحزن يملئ قلبي على فراقك بأن تلك القسوة التي مارستها معي .. قسوة مباركة يمارسها الآباء والمعلمون النجباء ولا يستهجنها سوى الأدعياء .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق