الرأيكتاب أنحاء

عنيزة ..و 15 سبتمبر

بهذا التاريخ الذي هوّلت له بعض وسائل الاعلام الخارجية، عندما قام بعض البؤساء المرتزقة في لندن بالترويج لقيام مظاهرات في مدن المملكة؛ كنت مع وفد كريم من جدة في قلب مدينة عنيزة.

طالعنا في ليلة 15 سبتمبر المدينة والمهرجانات تملأها، والحدائق الفسيحة مملوءة بالعائلات، والأطفال يكركرون ويصخبون، في جو فرح وابتهاج، لو رآه أولئك الكائدون –والدويلة التي تدعمهم- لكمدوا أكثر بعد صدمتهم بموقف شبابنا الرافض لتلك الدعوات البائسة. وطُلب مني كلمة في مهرجان “العوشزية” الرائع، أثناء تكريم أحد ضباطنا الذي أصيب في الحد الجنوبي، فقلت لهم، ولوحة بديعة كبيرة بها علم المملكة وصورة مليكنا الكبير سلمان وولي عهدنا الشاب، خلفنا: ما أجمل هاته المدينة!، وما أجمل أهلها!، وما أروع هذا التكريم لضابط من مدينة أخرى تحتفون به هنا، مثالا لروح الوطن عندكم!.

عرّجت في كلمتي تلك بالثناء على فتيات عنيزة اللواتي تناثرت أكشاك البيع التي يعملن فيها في كل نواحي المهرجان، يعملن بكامل حجابهن، وبكل فخر ومسؤولية يتحدثن، وقلت لمرافقي د. عبدالرحمن الجابر أنها كانت مفاجأة لي، ولا أنسى طالبة جامعية اشترينا منها  شطائر “النوتيلا” وتحدثت معنا بكل فخر عن عملها، وسعادتها بما تقوم به، والحقيقة أن عمل المرأة متقدم جدا في عنيزة عبر “الأسر المنتجة” والمصانع، حيث كان في برنامجنا زيارة مصنع لإعداد الفحم من بقايا النخل، يعود ريعه لجمعية “قطرة” النسائية الخيرية، وأذهلننا الفتيات هناك بما يقدمن، في بيئة محافظة تراعي خصوصية المرأة، ووجّهت كلمة لهن وقلت: “والله إننا لنرفع رأسنا والوطن بكن، ثنائي هنا ليس على أدائكن فقط؛ بل لهذه الروح التي تتحلين، وثقافة العمل التي تحملن، والفخر الذي سمعناه منكن بما تقدمن وتساهمن، فعلا العمل شرف”.

معظم من كان في الوفد رجال أعمال، لبينا دعوة الوجيه إبراهيم السبيعي لزيارة عنيزة والاطلاع على مجالات الاستثمار فيها، ولأني لا أنتمي بتاتا لهذه الشريحة الكريمة التي كانت تتفرس في فرص الاستثمار، وتستمتع بملامح عنيزة وكرم أهلها؛ كنت أبحث بحق عن حمد القاضي وعبدالله الغذامي وعزيزة المانع ونجيب الزامل، حيث ارتبط هؤلاء النبلاء في العقل الباطن عندي بعروس القصيم، وللأسف أن برنامج الزيارة لم تدرج فيه الصروح الثقافية بالمدينة، خلا زيارة لدار الفنون الشعبية، حيث استفزنا الطرب، وقام الوفد جميعا لرقص السامري، على دوي الطبول وقرع الدفوف، بتلك الأهازيج التي استعجمت علينا، بيد أننا تمايلنا مع القوم في نشوة فرح غامرة لا تنسى أبدا.

الحفاوة بالضيف واكرامه، سمة تغلب معظم مناطق المملكة، بيد أن أهل عنيزة يزيدون في إظهار فرحهم الحقيقي بنا، من تباريهم في دعوتنا، وامطارنا بمشاعرهم الصادقة، وتلك البسمات والحديث الذي يتفجر عذوبة منهم، ولا أدل من أن يستقبلك محافظ المدينة عبدالرحمن السليم، ويركب معك الباص ليشرح لك، ومعه المهندس عبدالعزيز البسام رئيس البلدية، ملامح المدينة المدللة، وأفكارهم وطموحاتهم التي يتمنون أن تكون عليها غادتهم تلك، والحقيقة أننا تلمسنا في مسؤولي عنيزة حبهم لمدينتهم، والفخر بخدمتها، واعتبار النهوض بها شرف لا يضاهيه شرف.

سألت وجهاء المدينة ومسؤوليها، وقلت بأنني كنت قبل أربعة أيام من مجيئي في مدينة رفحاء، وألفيت أهل تلك المدينة مستبشرين بفتح معبر “رفحا” الحدودي مع العراق، لما سيمثله من نقلة كبيرة في ازدهار المدينة، فما عساه أن يكون نصيبكم منه؟.

أجابني الشيخ فهد السعيد –أحد وجهاء عنيزة- بأن المنطقة: “ستفيد كثيرا من هذا المعبر، وسيزدهر خط زبيدة التاريخي للحج، لأنه يمر عبر القصيم، ولكن في حال واحدة؛ إن اكتمل طريق (القصيم –مكة) البري، الذي لم يتبق منه سوى كيلات قليلة”. ليت الدولة تسلم باقي الطريق للقطاع الخاص كي يكتمل، وتفرض رسوم رمزية عليه، يستوفون حقوقهم منه، ويكسب الجميع.

من أكثر ما علق في نفسي بتلك الزيارة، عندما ذهبنا لمؤسسة “الشيخ محمد الصالح العثيمين” الخيرية. ما رأيناه هناك في حق عالم كبير في مكانة الشيخ أذهلنا، وأتمنى فعلا من كل المؤسسات الشرعية الذهاب هناك، والاستفادة مما عملوه في تراث الشيخ ابن عثيمين يرحمه الله. المبنى من الخارج يأخذ بلبك ابتداء، والعمل الاحترافي الذي قام به أبناؤه وتلامذته لحفظ تراث أبيهم العلمي، ودارت أسئلة حيرى، لمّا تزل تلوب وتكوي، وأنا أشاهد العرض المميز عن المؤسسة: أين تراث الشيخ ابن باز يرحمه الله؟!، أين أبناؤه وتلامذته ومحبوه؟!، ولماذا لا يقومون بما قام به هؤلاء البررة بتراث الشيخ ابن عثيمين؟!.

كل الوفد أُخذ بما شاهد في تلك الزيارة، وبرأيي أن المدينة تكسب كثيرا من هاته الزيارات، لا من ناحية استثمارية وحسب، بل هذا الانطباع الساحر عن عنيزة وما يفعله أبناؤها لها. عدنا ونحن نلهج بروعة ما شاهدنا من أعمال، يفتخر أي مواطن بها، وكنت أقول لصديق غال من بريدة اتصل بي لدعوتي: “لماذا لا تستنسخ بريدة وباقي مدن القصيم، وحتى الشمال والجنوب، أمثال هذه الفكرة بدعوة رجال أعمال ونخب ثقافية، لرؤية المدينة والفرص المتاحة فيها، علما أن الزيارة والإقامة كانت على حساب كل زائر، ولكن الاهتمام الغامر من كل مسؤولي المدينة، ووضع برامج زيارة رفيعة؛ تحفز المستثمرين على المجيء، والنخب على معرفة ملامح المدينة”.

لأن أهل القصيم أصدقائي، والمحبون لي فيها من كل مدنها، انتبهت لجانب بسيط في أهل عنيزة؛ يتمثل في عشق ممتد وحب عميق للأهالي لمدينتهم والفخر بها، عكس باقي مدن القصيم الذين يفخرون بالاقليم عموما، وليس هذا بعيب، فمثل هذا الحب أمر فطري جُبل عليه الانسان، لا يد له فيه،ولسان حالهم:هذا قسمي في ما أملك.

كان المهندس عبدالعزيز البسام أثناء اجتماعه معنا في مقر البلدية يسألنا ويكرر السؤال: “لا نريد الإيجابيات التي رأيتموها، ولكننا نريد السلبيات، كي تعينوننا على الارتقاء بخدماتنا وتطوير مدينتنا”، أجيبك أيها البسام الوضيء: “سلبيتكم الوحيدة يا أهل عنيزة أنكم تسحرون الضيف بكرمكم وحفاوتكم، ليعود لمدينته وقد ترك قلبه بينكم، فاتقوا الله فيه”.

15 سبتمبر سيظل تاريخا خالدا للوفد الذي زار عنيزة، حيث رأى مستقبل الوطن المضيء من خلال المدينة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. شكراً على كلامك الطيب أ. قاسم. ولكن لي ملاحظة أنك ذكرت أن مرافقك هو د. عبدالرحمن الجابر، والصحيح أن السيد عبدالرحمن يدعي أنه يحمل شهادة دكتوراة وفِي الحقيقة هي دكتوراة وهمية.

  2. سعدت جداً بما سطرت استاذ عن مدينتي و غاليتي عنيزة .. اذا زرتها مره أخرى أتمنى زيارتك لمتحفي الخاص كارفان سراي و اكون سعيده بذلك .
    @caravanserai_sa
    تحياتي لك
    هدى التميمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق