الرأيكتاب أنحاء

المرأة قادت السيارة، خلصت مشاكلنا؟

بعد ٦٠ سنة من القرار التاريخي الذي عارضه المتشددون لسنوات طوال، تعليم البنات. و بعد ٥٠ سنة من تظاهر “اهل الصلاح” امام الديوان الملكي ضد خروج صوت المرأة من خلال المذياع. صدر الامر الملكي بالسماح للمرأة بقيادة السيارة في بلدها وبين أهلها. هذا القرار التاريخي جدا سينعكس على المجتمع و قوانينه بشكل ملحوظ بحيث بفضل هذا القرار سيتم انشاء وتحديث القوانين التي تكفل لكلا الجنسين الكرامة والحرية وإثبات الشخصية خصوصا للإناث، حيث ان شخصيتها مطموسة و باهته وقابعة خلف ظهر رجل!

ظهر الممانعون ككل مرة، يبكون ويتباكون على المجتمع وما الذي سيحدث لمجتمعنا البرئ جدا! تاريخيا، الاحداث تشهد وتبكي حسرة على الاوقات التي قبعنا فيها في هوة التخلف بينما العالم من حولنا يتطور ويتقدم. بالعودة الى التاريخ الذي نخجل منه؛ بداية مع سيارة الملك عبدالعزيز المسحورة التي سببت العجب العجاب للأجداد “كيف حديد يمشي؟” بهذه الجملة المقتضبة انتفض الأجداد خوفا على الملك عبدالعزيز بان لا تطير بهذه الحديدة او تسحره بسحرها!

توالت الاحداث و تحول المعارضون الى جبهة منظمة هدفها تحريم ومنع واختراع الاسباب واختلاق القصص المعبرة جدا للتحذير من التطور وكيفية جعل حياتهم افضل بطريقة او بأخرى.

فبعد سيارة عبدالعزيز، تأتينا قصة التلغراف المثيرة للشفقة وكيف بانها عمل الشيطان وان من يستعملها لابد بان يستعين بالسحرة! ذهب قوم وأتت اقوام، ولكن الفكر والخوف من المجهول والجديد مازال متوارثا جيلا بعد جيل وحجتهم “عظيم خطرها على المجتمع”.

تطورنا بعد ذلك، وبدأنا نحارب التكنولوجيا، فتم تحريم التلفزيون والمذياع. لم نكتفي بذلك بل اختلقنا القصص والمواعظ للتحذير من الهاتف المنزلي الثابت ! وبعد ذلك بأجيال، قام اصحاب نفس الفكر بتحريم الهواتف الذكية وكان ذلك في بداية القرن الواحد والعشرين. في نفس الوقت الذي احتفل به العالم بجميع ما تم انجازه من تقدم صناعي وحضاري وتقني وتطور مجتمعي ، قمنا نحن بمصادرة جوالات الكاميرا! نشر الوعاظ العبر المختلفة عن مساوئ استخدام البلوتوث ! وكيف ان كاميرا الجوال تهدد قيم المجتمع وتهدم الاسر. تعددت المحرمات واختلفت السنون ولم يحدث شيئا مما حذر منه هؤلاء فالسفينة لم تغرق بل ازدادت قوة والمجتمع لم ينحل بل ازداد تقدما رقيا.

هذه الايام تحتفل بلدنا بعيدها السابع والثمانين وأبت بلدنا الا بأن تتم الفرحة بالسماح للإناث بقيادة السيارة إسوة بالذكور، فلا فرق بين الجنسين.

البكاءون أنفسهم يلطمون بالحسرات و بالآهات حزنا على ما آلت اليه بلدنا من رجعية وانحدار بالسماح للمرأة بان تقود سيارتها. وما كان بكاؤهم الا كما علمهم اباؤهم محاربة لكل جديد.

لمثل هذا القرار انعكاسات إيجابية كثيرة منها وهو الاهم انشاء قوانين مكافحة التحرش التي صدر بها الامر الملكي بإقرارها وإعداد لائحتها والتي تضمن لكلا الجنسين التمتع بالحرية الكاملة وايقاف اي معتدي من الاضرار بالآخر.

التاريخ يعيد نفسه بنفس السيناريو والادوار ولكن باختلاف الممثلين. فلا حرج من الاعتراض ولكن الافراط في الاعتراض يذم صاحبه وينعكس عليه.

الانسان عدو ما يجهل فهذا قانون بشري، والانسان العربي وليد الصحراء والبادية يخاف من ان تُمس كرامته أو مورد ماءه أو التعرض لأرضه. فخوفه هذا أنشئ لديه هوس و رعب من اي دخيل على حياته قد يؤثر على قوانينه الثلاث، فلا هو يهتم بماهية ونوعية هذا الدخيل فهو يجهله بذاته ولكنه يرفض التغيير حتى لا يضطر بان يغير نمط حياته ويحاول ان يتكيف ويتأقلم مع هذا الدخيل حتى لو كان في نفس بيئته.

فلا عيب في الجهل ولكن الاستمرار في الجهل والاصرار على الخطأ وتجاهل التاريخ و ان تكون جامدا هائما ترفض ان تتعلم من اخطائك وترفض ان تتطور فهذا هو العيب. والاشد عيبا ان تغلف جهلك ورفضك للحضارة والعلم بالغلاف الديني وان تفرض اراءك الشخصية المعقدة نفسيا و تروجها بانها امر شرعي و قانون الهي يجب التوقف عنده وعدم مناقشته وإلصاقه بالجنة والنار وبالعذاب والعقاب.

فهل بقيادة المرأة للسيارة انتهت كل مشاكلنا؟ الجواب هو متى اصبح الحق الاجتماعي مشكلة؟ فمشاكلنا الرئيسية نحن من صنعناها بأيدينا. فمشكلة الاسكان سببها نحن المبذرون والمسرفون. ومشكلة الصحة سببها نحن المستهترون بأرواح الناس. ومشكلة البطالة سببها نحن الذين رغبنا بالوافد نكاية بالمواطن وبحثا عن الايادي الرخيصة ومشكلة الترفيه هو نحن الذين نبذنا الفرح وارتضينا بالنكد والحزن حتى اصبحت “كثرة الضحك تميت القلب” حديث نبوي وقانون فقهي و عادة تربوية!

الانفتاح على الحضارات والعلوم ومجارات الدول المتقدمة والمتطورة كفيل بان يجعلك في ركب هذه الدول بل وسيفتح لك ابوابا لاستكشاف العديد من المجالات التي ستنعكس بالنفع على مجتمعك واقتصادك. حيث ان رفضك للتنمية و لهذه الحضارات ستجعلك منغلقا متخلفا ومتقهقرا على نفسك منعزلا عن العالم المحيط بك بل وستجبرك الحياة على مجاراتها راغما عن انفك.

ختاما، عزيزي المعارض: وقوفك ضد تنمية بلدك وحضارته واتخاذك دور الحامي للمجتمع المدافع عن فضيلته ماهو الا تمرد صريح على نظام الدولة حيث ان الدولة هي “حارسة القيم الشرعية فإنها تعتبر المحافظة عليها ورعايتها في قائمة أولوياتها سواء في هذا الأمر أو غيره، ولن تتوانى في اتخاذ كل ما من شأنه الحفاظ على أمن المجتمع وسلامته”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق