الرأيكتاب أنحاء

د. الريسوني.. أي تأريخ لك أضعت؟!

حوقلت واسترجعت وصفقت يدا بيد؛ بمجرد انتهائي من مقالة أستاذ الفقه المغاربي د. أحمد الريسوني الذي عنونه بـ”الاسلام السعودي من الازدهار الى الانحدار؟، وحرت وأنا أردد: “لماذا توحّل د. الريسوني بمستنقع السياسة، ووصل إلى هذا المستوى ولم يحافظ على تأريخه ومكانته كعالم شرعي وباحث فريد مستقل؟!”.

الصديق د. محمد السعيدي كتب ردا علميا مؤصلا، نشره في موقعه دفاعا عن بلادنا وعلمائنا ضد ما افترى به الرجل علينا، وكنت أقول للصديق بعد قراءتي مقالته: “د. الريسوني مكث سنوات عدة بين أظهرنا، وكان يغشى بعض المجالس العلمية والفكرية، وهو مطلع على التساوق والوئام الكامل بين علمائنا وقادتنا، فكيف يتهكم بنا، ويتهم علمائنا بتلك الفرى التترى التي كالها، ما دافعه في ذلك ؟!”.

للأسف الشديد؛ المقالة من أولها لآخرها لا تنتظمها فكرة علمية، وما ثمّ  إلا التشفي والقراءة العوراء والرسائل المبطنة، وعلم أم يعلم د. الريسوني، بأن كبار علماء السعودية ينصفهم تأريخنا القريب والبعيد، فقد جنبوا المجتمع انقسامات كبيرة بمواقفهم التي يصفها الريسوني أنهم “مداخلة” فيها، وأثبتت الأيام صوابية منهجهم السلفي، فها نحن ننعم بهذا الأمن الذي عزّ في كثير من البلاد حولنا -ولله الحمد- بفضل تلكم المواقف التي تدعو للسمع والطاعة لولاة الأمر، فيما انحرفت كثير من الجماعات الاسلامية وحادت، وقامت بالتهييج على قيادات بلادهم، وأوردت أوطانها المهالك.

تهكمك -يا أستاذ أصول الفقه والمقاصد – بأن علماء السعودية يغيرون مواقفهم بسبب ما يريده الحاكم هو افتراء وكيد، بل هم ينظرون للمصلحة الكبرى، ويقدمونها على غيرها، لذلك طيلة أعوام؛ بلادنا تتقدم وغيرنا يتأخر. وهل هناك مصلحة أكبر من الحفاظ على أمن الأوطان، ووحدة الكلمة، وحفظ الأنفس والأموال، بما فات على فقهاء الثورات الذين انتهت بهم الأمة لأتون الحروب والتمزق وهلاك الأنفس.

لنحتكم للواقع د. الريسوني، وأنت تتهم بلادنا أنها وقفت ضد الربيع العربي، وتأمل -بانصاف العالم الشرعي- كيف هو الوضع في اليمن وسوريا وليبيا -وحتى مصر لولا أن تداركها الله برحمته- ودول أخرى كادت أن تقع في تلك الفوضى التي تولى كبرها جماعة “الاخوان المسلمين”، بعد أن وعدهم الرئيس الأمريكي السابق أوباما بالتمكين، وتواطأ معها، ودخلت قطر بأموالها وإيران بنفوذها، فأحدثوا هذا الشرخ والتمزيق والفتنة والتشريد للأمة، ليتمكنوا من تحقيق شهواتهم السوداء بالحكم، وأهداف الدول الحاقدة التي وراءهم بتمزيق بلاد السنة،  ولولا أن قيض الله قيادة بلادنا –وبعض دول الخليج- وعلماءنا ومفكرينا وشعبنا خلفها؛ لما سلمت باقي الدول العربية.

وقبل أن تشهر مقولة أن هناك من أفشل تلكم الثورات التي كانت تدعو للحرية والعدالة والديموقراطية ، سأقول لك إن هذا هو عالم السياسة الحقيقي، لا تلك التنظيرات والرؤى الحالمة. أوَ تظن تلكم الجماعة الغادرة ومن يقف خلفها أن ستتفرج الدول الآمنة عليها وهي تستولي على كراسي الحكم، مستغلة تهييج الشباب على أوطانهم ؟!، ورحم الله مليكنا الكبير عبدالله بن عبدالعزيز عندما انتفض وبادر باحتواء تلك الفتنة، وأعادها لمهدها، ولم يأبه لاحتجاجات أوباما وغيره، وأنقذ بلادنا وخليجنا من المؤامرة السوداء تلك، ولكن للأسف  دفع ثمن تلكم الثورات الملايين التي قتلت وشردت وتعذبت، وما تزال الشعوب تعاني للآن وللأسف الشديد.

سامحني د. أحمد الريسوني، وسبق لي لقياك مرارا؛ أنك بت ألعوبة بيد تلك الدويلة المقاطعة، شاهدتك تخرج في قناة “الجزيرة” مؤخرا، لتكون دمية بيد قناة الفتنة والتحريض تلك لتلمز بلادي وسياستها بما فعلت في مقالتك، ولم يك بك أثارة من مروءة ونبل ووفاء، للبلاد التي مكثت بها دهرا تنعم من خيرها، فعلى الأقل يسعك السكوت، بدلا من المشاركة في الفرى التي يكيلونها. ليتك ترجمت مكانتك كعالم شرعي مستقل، وكنت كذلك العالم اليمني الذي جلبته القناة الأجيرة ليهاجم معالي الشيخ سعد الشثري بعد خطبته في يوم “عرفة”، وأراد المذيع أن يوجهه عبر أسئلته لمهاجمة الشيخ، فأسعفه علمه وأمانته الشرعية، وقام بالدفاع عن شيخنا الوضيء الشثري، وقال: “نخرّج لعلماء الشرع تخريجات تليق بمقامهم، ونقدم فيهم حسن الظن”، فما أنبل موقفه، وما أسوأ موقفك!!.

في جعبتي الكثير من النقاط التي وددت الوقوف فيها مع د. الريسوني، ولكن الصديق الموسوعة د. محمد السعيدي برده العلمي المؤصل فعل ذلك، وأشكر للصديق هذا الأدب والتوقير في مقالته، والذي يبدأ من عنوانه الذي كتبه للرد: “الصبر الجميل على عثرة الشيخ الجليل..رد على أغاليط الشريف الريسوني بحق السلفية”، فيما كانت مقالة د. الريسوني تنضح بما لا يليق بعالم شرعي عاش وشاهد بعينيه السير المثالي والحسن للأمور بين العلماء والولاة في بلادنا، فمن بداية مقالته يقول عن “الإسلام السعودي” : “وقد وُصف بأوصاف أخرى؛ كالتشدد والتطرف، و”فقه البداوة”، و”فقه التخلف”. “الإسلام السعودي” فيه من كل هذه الأوصاف قسمةٌ ونصيب، ولكنه في تركيبته نمط خاص في الفهم والتدين، تَشكل بين قساوة الرمال ونداوة الريال، وانضبط تحت ظل السيفين المتعانقين..”، ويا للأسف، أي تاريخ لك أضعت، باستماعك لبعض الشباب القلة، وتعاميك عن الكثرة الملتفة المؤمنة بصوابية مواقف علمائنا.

أقول لفضيلة الشيخ د. الريسوني: أنت أكبر من أن تكون ألعوبة بيد قناة تريد الفتنة في بلادنا، وأكبر من أن تضيع تاريخك الناصع في العلم الشرعي بسبب حظوظ نفس وردة فعل لموقف تعرضت له، وأكبر بكثير من أن يمتطيك أعداء السنة وزارعي الفتنة لتكون لسانهم لتطعن به علماء البلاد التي أكرمتك؛ ليتك تتأمل وتراجع نفسك ومواقفك!!

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. عجب فعلا ممن يعلم ولا يفهم !
    أو يكون في ظاهره جليلا والخبر عنه تزكية ثم يكون كبالونة حجمها كبير وهي في أيدي الأطفال وفي الهواء تطير..
    أو أصبح الإسلام مجنسا؟ إذا كان إسلام سعودي، أفهناك إسلام بجنسيات أخرى؟
    الإسلام واحد وما أساء إليه وإلى أهله إلا من كان أولى به أن يظهر حسنه لمن عميت عيناه عنه ، أو كما قال كاتب هذا المقال ( يسكت).
    ما أجمل ماكتبت يا د. عبالعزيز ، ولعل الشيخ يراجع ما نشر ويختار الله ومايحبه الله فيتجه إليه ، فيجد الله توابا رحيما

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق