الرأيكتاب أنحاء

الجديد والمشكل في نظام مكافحة التحرش

وافق مجلس الوزراء مؤخرًا على نظام مكافحة التحرش، وهو قانون مكون من ثمان مواد، عالجت مفهوم التحرش، وعقوباته العادية والمشددة، كما عرضت لأحوال المبلغين والجهات الرسمية والخاصة ذات العلاقة.

ولعلي هنا أن أطرح عددًا من التساؤلات، وأعرض شيئًا من الملحوظات حول هذا النظام:

هل ثمة خصوصية لهذا النظام في السعودية؟

 في كثير من الدول العربية، لم يصدر نظام مستقل لمكافحة التحرش الجنسي، وإنما يأتي مواد أو فقرات ضمن قانون العقوبات، وهذا ظاهر في قانون العقوبات المصري، وفي القانون الجنائي السوداني، وفي القانون الجنائي المغربي، وفي قانون العقوبات الإماراتي، وقد يأتي ذكر لجريمة التحرش ضمن قوانين أخرى، خاصة قوانين العمل وحماية الأسرة أو الأطفال.

أما في السعودية، فتميزت بتشريع نظام مستقل وكامل، يرسم الخطوط العريضة، وتفرّد أكثر بخروجه قبيل بدء قيادة المرأة للسيارة، ملمحًا بذلك إلى أنه أعد كنوع من التحوط، وخطوة استباقية لمعالجة الأخطار الناجمة عنها.

وهنا أعرض لعدد من الملحوظات رأيتها في مشروع النظام، تتعلق بوضوح الكلمات، وبالأسلوب، وبالمحتوى.

 أول ما يواجهنا هنا هو مفهوم جريمة التحرش، فقد أتى عامًا واسعًا، يتيح سلطة تقديرية غير محدودة للقاضي أو للمحقق أو حتى للمدعي في تكييف كثير من الممارسات على أنها جريمة تحرش، ولذلك بادر أحد المحامين منذ الدقائق الأولى لظهور هذا النظام إلى التغريد بأن مجرد رموز (قلب أو قبلة) موجهة من رجل إلى امرأة –لا صلة شرعية بينهما- على أنها تندرج ضمن التحرش الجنسي مباشرة، وتطبق عليه أحكام النظام. وقد حظي النظام بتفاعل كبير يوحي بأننا أمام حماسة جائشة لتطبيقه، وهو ما قد يعيد تجربة تطبيق (كلنا أمن)، ونظام الجرائم المعلوماتية.

(فائدة: أدين رجل بالتحرش الجنسي عندما قال لسيدة (زبونته) في مكالمة هاتفية كلمة “يا حبيبتي”… انظر: (مدونة الأحكام القضائية، الجزء 15، صفحة 92، لعام 1434).

 مفهوم التحرش في مشروع النظام يعني “كل قول أو فعل أو إشارة ذات مدلول جنسي يصدر من شخص تجاه أي شخص آخر يمس جسده أو عرضه أو يخدش حياءه بأي وسيلة كانت، بما في ذلك وسائل التقنية الحديثة”.

 وأبرز ما يميز هذا التعريف أنه ابتعد تمامًا عن شرط (السلطة)، في أنه لا بد أن يكون صادرًا من ذي سلطة إلى من هو دونه، كما في قانون العقوبات المغربي وقانون العقوبات الفرنسي، الذي نص على أن التحرش الجنسي هو التعسف في استعمال السلطة …. بغرض الحصول على منفعة وامتيازات أو مزايا ذات طبيعة جنسية.

كذلك ربط القول أو الفعل أو الإشارة بالمدلول الجنسي، وهذا يجعلنا نحتاج إلى تحديد مفهوم (المدلول الجنسي)، ومعرفة متى يكون جنسيًا ومتى لا يكون جنسيًا! فهل المصافحة أو محاولتها تعد من قبيل التحرش! وهل الإطراء يعد تحرشًا قوليًا!

ويجعلني أتساءل من الناحية اللغوية عن قصد المنظم حين ذكر “يصدر من شخص تجاه أي شخص آخر” فأتت كلمة شخص الأولى نكرة، وأتت شخص الثانية نكرة مسبوقة بكلمة (أي) التي تفيد العموم… فهل تنكير كلا الاسمين (الجاني) و (المجني عليه) مقصودان، بحيث يشملان كل شخص يعتدي وأي شخص يعتدى عليه… وهل يعد حينها التحرش أمرًا ممكنًا بين الزوجين مثلًا! أو حتى لو صدر من قاصر أو غير مميز!

ثم عبّر عن أن التحرش يجب أن “يمس جسده أو عرضه أو يخدش حياءه” وهذه ألفاظ عامة، خاصة ما يخدش الحياء، فما الحالات التي فيها يكون الشيء خادشًا للحياء!

وأضاف الصائغ في التعريف “بأي وسيلة كانت، بما في ذلك وسائل التقنية الحديثة”… وهذا يجعلنا نتأمل في التخصيص بعد التعميم، فـ”أي وسيلة كانت” بالضرورة تشمل وسائل التقنية الحديثة!… فإلى أي شيء يرمي الصائغ هنا! خاصة أن هذه الفقرة سوف تمثل نقطة تداخل مع نظام الجرائم المعلوماتية، في الفقرة 2-3-5 من المادة الثالثة.

ويبقى السؤال الأولي هنا:

 ما الذي أضافه هذا النظام إلى ما يطبق حاليًا في المحاكم، أليست المحاكم تنظر في قضايا التحرش الجنسي، وتكيّف كل واقعة، وتحدد مفهوم التحرش، وتصدر فيه الأحكام التي تراها مناسبة لها، خاصة أن النظام لم يوجه بإصدار لائحة تنفيذية تفصل وتشرح أكثر..

أخيرًا، أرى أن توقيت هذا النظام هو الأهم، وأتى في الوقت المناسب، وقد حصل على دعاية تكفل انتشاره، وانتفاء أي ادعاء بالجهل به، وهو ما يكفل تحقيقه لغاياته بحول الله.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق