الرأيكتاب أنحاء

التطرف ذو الحدين

مما لا شك فيه أن الطبع البدوي الحاد ما يزال يحكم كثير من تصرفاتنا، فلا نملك روح الوسطية، ويكون سيل مشاعرنا كما يقول المثل: (إما سيل قحاش، وإلا ليس قطرة!).

وقد شهدنا ذلك بكل وضوح في صور تصرفاتنا العامة أو الخاصة حيال مشاركات منتخبنا السعودي لكرة القدم في مونديال روسيا.

فعند حدوث أي هفوة بسيطة أو غلطة، نجد الآراء تنطلق سواء في القنوات الرسمية، أو على مواقع التواصل بشكل حاد متطرف ينسف ويمسح جميع حسنات الماضي، والتي من أهمها جهود ومعطيات وصول هذا المنتخب الشاب للمونديال، بعيد غياب طويل عنه.

بينما تختلف الآراء وتبلغ الحد الثاني من تطرف الرضى والمديح والتعظيم والكرم، بمجرد فوز وحيد على المنتخب المصري، فنسمع عكس ما كنا نسمعه عند هزيمتنا من المنتخب الروسي، وحتى أننا وصلنا إلى درجة تحديد مبالغ المكافآت، التي يجب تقديمها لأعضاء المنتخب، ومما يجعل الأمر حادا مضحكا، وفيه الكثير من التدليل، والتناقض، وعدم الواقعية، المؤدية إلى هز الثقة القادمة في امكانية بناء منتخب صلب مستمر، لا تلعب به الأهواء، ولا تفسده الوعود والهدايا، وكأننا بطباعنا المتطرفة نحرق وجودنا كليا.

بعد مباراة روسيا سمعنا من الشتائم، ومن الانتقادات، ومن السخرية والسخط ما جعلني أعتقد بأن يقوم أغلب أعضاء المنتخب بتقديم أوراق اعتزالهم للعب الدولي، وأن يرفضوا هذا الجور العجيب دون مراعاة لوضع الفريق الخصم ولياقته وهيبة الأرض والجمهور، وقوة الخطة، وغيرها من الأمور المنطقية.

ولكنهم أيضا بحدة طباعهم كلاعبين ما أن فازوا على المنتخب المصري، إلا وأصبحنا نسمع منهم الوعود والاصرار على تطوير الذات، وعلى البروز، والظهور مستقبلا بشكل أفضل، محاولين مسح ما علق بهم من سوء!.

شدة التطرف في آرائنا تحكم حياتنا، وهي تنعكس مستقبلا على آراء أبنائنا، وثقافتنا، وبالتالي تديم بيننا أمور الحدة في الطباع، وشناعة قلب الأخضر لأحمر، والأبيض إلى بنفسجي، دون مراعاة للظروف، ولا لقيمة الأنفس، ودون حساب للمستقبل وما يكون فيه.

البعض يرى أن ذلك التطرف يكون محفزا في بعض الأحوال، ولكني أجزم على أن هذا النوع من التحفيز يضر بنفسيات الجيل والشباب والأمة، ويخلق لديهم الشعور بعدم الأهمية، والبلادة، ليصبح الأمر بشتى نتائجه سيان، فمجرد أن يفشلوا، يقوموا بإغلاق أعينهم وأذانهم عما يقال، وبمجرد فوزهم ينطلقون في الأمنيات غير المنطقية لحصد النتائج، الغنية الكريمة، المغدقة.

الأمر في وجهة نظري ضار على كل الأوجه، وفي كل المجالات والتخصصات، والتحطيم لا يمكن أن يخلق نجاحا فريدا، كما أن الاحتواء للمخطئ، أو الفاشل لا يجب ان يصل لدرجات اهدار الكرامة، وقتل الروح، وجعل الأمور مرهونة بين تقديم قوالب السكر، والتهويش بلسعات السوط.

نحن نربي شباب أمة فتية يجب أن تكون رؤيتها بعيدة جدا، وأن تكون روحها المعنوية مرتفعة، وألا يسمح لأي كان بأن يهبط أو يسيء أو يحبط أو يحطم من معنويات شبابنا، والتي تنعكس على صورة إنساننا، وعلى أطفالنا، وعلى جميع ما يكون وما يصدر من وطننا نحو العالم الخارجي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق