الرأيكتاب أنحاء

أمسية فكرية مع عبدالعزيز بن سطام

“الاشتغال بالإصلاح في مرحلتنا اليوم؛ أولى بكثير من الاشتغال بالنقد”.

هذه العبارة ذكرها مستشار خادم الحرمين الشريفين سمو الأمير أ.د.عبدالعزيز بن سطام بن عبدالعزيز آل سعود، في جلسة فكرية باذخة بديوانية الشيخ عبدالمحسن الراجحي قبل أيام، وبحضور جمع من العلماء والدعاة والمثقفين.

ولأنني من شرُف بإدارة الحوار مع سموه، بتكليفٍ أخوي وحسنِ ظن من الشيخ عبدالمحسن؛ انتبهت إلى أنّ سموه أعاد العبارة الآنفة لمرّات متباعدة في الأمسية التي استسمحته أن أطيل وقتها لعمقها، وانبهار الحضور بطرح هذا الأمير الذي تنوّع في تخصصاته، بين الإدارة في البكالوريوس من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وعلم الاجتماع في الماجستير من جامعة الملك سعود، والسياسة الشرعية في الدكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وانبجس حسّي الإعلامي –في ثنايا الحديث- واستوقفته للسؤال عن العبارة التي وصفتها بأنها “عبارة من ذهب”، فرد بأنّ الوطن في مرحلتنا الحالية والمقبلة يحتاجنا في دعم هاته المشروعات العملاقة التي تقوم بها الدولة، والانخراط في الإصلاحات الكبرى التي تحتاج منا –كمجتمع- المضي بها قدما، بدلا من الاشتغال بالحديث والنقد السلبي والتثبيط .

المجلس كان غاصّاً عن آخره، وحاولت كسر الرسمية فيه، فهي بالأساس دعوة حبيّة في مجلس خاص، ولكن لاسم الضيف الكبير؛ توافد العديد من النخب الشرعية والمثقفة لسماع ما سيتحدث، وابتدرته بالسؤال عن محاضرته الشهيرة التي ألقاها في القصيم، فقال سموه بأنه من نعم الله علينا؛ أنّ الخطاب السعودي في بناء الدولة وفق منهج  الشريعة الإسلامية؛ ثابتٌ لم يتغير منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى إلى اليوم في عهد خادم الحرمين الشريفين.

وأفاض سموه بالحديث عن النظام الأساسي للحكم الذي يضبط علاقة النظام بالشريعة، وتحدث عما قاله قبلا بأن “العلاقة بين الأنظمة والشريعة يتنازعها طرفي غلو وجفاء، بينهم الوسط والاعتدال ضحية، بين محرّم لجميع الأنظمة وإن وافقت الشريعة، وبين مبيحٍ لجميع الأنظمة وإن خالفت الشريعة”.

في هذه النقطة علق د. محمد السعيدي مثنياً على النظام الأساسي للحكم بالمملكة العربية السعودية، وقال بأنه على حدّ علمه، وعبر تأريخنا الإسلامي كله، وعبر كل الممالك والدول فيه قديماً وحديثاً؛ لا يعرف دستوراً أفضل من النظام الأساسي للحكم المعمول به في مملكتنا، وأنها التجربة الوحيدة حتى هذا اليوم لنظام يؤسس لدولة تحكم بالشريعة الإسلامية، وهي تجربة يعتقد أنه لا يمكن تجاوزها حين تفكر أي جماعة أو حزب في المطالبة بتطبيق الشريعة في بلادها، وهي تجربة ً فريدةً لا نظير لها اليوم في جميع بلاد المسلمين, من حيث فهم هذه التجربة للمكان الصحيح للشريعة الإسلامية من النظام, وهو مكان الحاكم والمهيمن, وتأثيرُها في جميع مفاصله تأثيراً لم يحُل دون تغطية هذا النظام لجميع احتياجات الإنسان المتاحة شرعا, كما لا يحول دون أن تأخذ الدولة بجميع مكوناتها مكانَها اللائق بها عالمياً وإقليميا.

انتقلتُ من نظام الحكم إلى سؤال سموه عن عبارة له في محاضرة بعنوان “الإدارة العدلية للتقاضي”، ألقاها في المعهد العالي للقضاء، كانت تنص: “العدلَ مسؤولية المجتمع بالدرجة الأولى، بكل فئاته وأفراده وجهاته ومؤسساته”، واستفاض سموه في إيضاح رؤيته بسرد هادئ يميز حديثه، يسحر بها من ينصت له، بما كان حالنا في تلك الأمسية.

وسألته -بحسّ صحافي-: هل أنت راض عن التطوير الذي حصل في سلك القضاء؟، وكان المجلس ممتلئاً بمجموعة من القضاة الفضلاء، فأجابني مباشرة: “أي مسؤول في الدولة يقول أنه راض عما تمّ، فعليه أن يترك مكانه لغيره، وهذا يعني أنه قدم كل ما لديه”. كانت إجابة مبهرة، قلت له مباشرة، لو كنت صحافياً كما السابق، لكان جوابك هذا “مانشيتا” عريضاً في الصفحة الأولى.

لم يفوت الفرصة د. منصور الشبيب عضو هيئة التدريس في المعهد العالي للقضاء، فطلب من سمو الأمير أن يعيد ما سبق وأن علّق به في محاضرته عن الإدارة العدلية على كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان لوزير العدل عند تعيينه: “أنصف القضاة، فإذا نحن لم ننصفهم، فكيف نطلب منهم إنصاف الآخرين”، فقلت لسمو الأمير بأن الشيخ منصور أعاد الكرة لملعبنا نحن الإعلاميين الذين يبحثون عن النقد والسلبيات والإثارة.

عندما بدأت القراءة في سيرة سموه، هالني حقيقة ملكاته في الجمع بين تخصصات شتى، وثمة 12 كتابا له في المكتبة تنوعت بين الإدارة والسياسة الشرعية وعلم الاجتماع، فبادرته بسؤال عن الكيفية التي امتزجت جميعها، وإلى أيها يميل وينحاز؟، فأجاب بأن العلوم تكمل بعضها بعضا، وأنه لا يميل أبدا لأي تخصص، بل يفيد من كل تخصص، فهي تتكامل. علقت على إجابته بأنني قست تخصصاته -بقياس الفقهاء- على الزوجات، وأن القلب يميل بما جاء في الأثر: “اللهم هذا قسمي في ما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك”.

كانت ثمة مداخلات وأسئلة من الدكتور عبدالله الجفن والإعلامي خالد البيتي والدكتور محمد القحطاني، أثروا بها المجلس، لا تتسع مساحة المقالة للإبحار فيها.

وقلت في نهاية كلمتي بأننا بحاجة لمجلس آخر، فلم نشبع بعد من الغوص في فكر سموه، وثمة أسئلة لدي خصوصاً في المصرفية الإسلامية التي كتب فيها كتاباً بعنوان “سياسة الجودة الشرعية في المصرفية الإسلامية”، وأن ثمة نقدا كبيرا حيال مسيرتها، وما آلت إليه، وما تضرّر به المتعاملون من فحش الفوائد عليهم، والتي تتلبس باللبوس الشرعي.

وأيضا كان لدي استفسار عن المقاصد الشرعية، ورؤية لي بأن فقه المقاصد الشرعية الطاغي في فقه المغاربة، سينتقل إلينا هنا في المشرق، بسبب أنه الفقه المرن الذي سيستوعب المتغيرات الجديدة التي فرضها العصر وتطوراته علينا، وسموه له كتاب بعنوان: “تراتيب المقاصد الشرعية – دراسة نظمية تأصيلية”.

كانت جلسة فكرية مع أكاديمي رفيع ذي تبحّر في الشريعة، كم نحتاج لمثلها في مرحلتنا التي نعبر، وأختم مقالتي بما ختم سموه المجلس بضرورة أن ينصرف المرء منا للإصلاح، وأن يبدأ بأهل بيته ومحيطه الأسري.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق