الرأيكتاب أنحاء

محمد بن سلمان وواشنطن بوست

كتب عبدالله سلمان العودة مقالة عجيبة في واشنطن بوست، تحدثت سلبيا عن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، فهو في رأي الكاتب يقود المملكة إلى عصور الظلام ويرسي ملكية مطلقة ويتبنى القمع الديني ويخالف سيرة من سبقوه.

ونظرا لخطورة هذه الاتهامات وجب التوضيح والإنصاف، خصوصا مع الذين يعانون من ضعف في الذاكرة، أو مع الذين يريدون تزوير الماضي من أجل تشويه المستقبل.

اولا، إن الخطوات التي يقوم بها الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين هي امتداد لخطوات أسلافهم أحيانا وتطوير لها في أحيان أخرى، فمثلا، شاهدنا الملك يلتقي الأنبا تواضروس في القاهرة، ويستقبل البطريرك بشارة الراعي في الرياض، وإذا عدنا إلى الأسلاف، سنجد أن الملك عبدالله بن عبدالعزيز أطلق مبادرة حوار الأديان وزار الفاتيكان، علما بأن سلفه الملك فهد أوفد وزير دفاعه الأمير سلطان بن عبدالعزيز إلى الفاتيكان أيضا.

في عهد الملك سلمان تم تمكين المرأة من حقها في قيادة السيارة، وأتيح للمرأة السعودية كذلك المشاركة الواسعة في القطاع الاقتصادي وفي أجهزة الدولة، كالأميرة ريما بنت بندر بن سلطان في هيئة الرياضة، وسارة السحيمي في رئاسة مجلس إدارة “تداول”، وهذا النهج هو الآخر امتداد لنهج الأسلاف، فالملك عبدالله -رحمه الله- أدخل المرأة السعودية إلى مجلس الشورى، وعين نورة الفايز نائبا لوزير التربية والتعليم.

وموقف المملكة من الإرهاب والإسلام السياسي قديم ولم يبتدعه الملك او ولي العهد، في عهد الملك فهد صرح وزير الداخلية الأمير نايف بن عبدالعزيز (عام ٢٠٠٢): “جماعة الإخوان المسلمين هم أصل البلاء”، وفي عهد الملك عبدالله وجهت المملكة ضربة قاصمة لجماعة الإخوان بتأييد ثورة مصر، والغضب على قطر عام ٢٠١٤ أصبحت تفاصيله معروفة، وكان العاهل الراحل أكثر من يحذر من خطورة الإرهاب والمتاجرين بالدين، وصراع المملكة العسكري والأمني مع إيران وداعش والقاعدة وحزب الله تفاصيله هي الأخرى متصلة عبر العهود ومعروفة للجميع. 

في عهد الملك عبدالله بدأت الدولة مشروع الإصلاح الديني، تم فتح هيئة كبار العلماء لكل المذاهب السنية، وتم تعيين وزير إسماعيلي، وبدأ العمل على تقنين الأحكام الشرعية، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، وهو ما تستكمله المملكة اليوم.

حتى حفلات الترفيه والغناء، هي في الأصل موجودة وتم إحياؤها، ونضرب المثل بمهرجان المفتاحة في أبها، ومهرجاني الدرة وأماسي في جدة، وقبل كل ذلك مسرح التلفزيون.

ثانيا، الملك سلمان وولي عهده لا يتبنيان القمع الديني بل يحاربانه، ولقد عانى السعوديون من هذا القمع طوال عقود، وبسببه تأخر السعوديون في التنمية وفي نيل بعض الحقوق البديهية، والأمثلة حاضرة هي الأخرى.

اكتظ عقد الثمانينيات بفتاوى التكفير ضد تيار الحداثة، ومن نتائج ذلك الحيلولة دون حصول الناقد سعيد السريحي على  درجة الدكتوراه المستحقة، وصدرت فتوى رسمية تكفر العالم الجليل السيد محمد علوي مالكي أدت إلى انعزاله طويلا، وفي التسعينيات صدرت فتاوى تكفيرية نالت من المفكر والأديب د. تركي الحمد أدت إلى أذيته شخصيا، وأحد الصحافيين الرياضيين احتجزته هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتهمة السحر والشعوذة لأنه اصاب في توقع نتيجة مباراة كرة قدم، وفي مطلع الألفية أقيل محمد المختار الفال من رئاسة تحرير صحيفة المدينة بسبب نشر قصيدة مست مشاعر التيار الديني وهو ما تكرر لاحقا مع رفقي الطيب في صحيفة الندوة بسبب مانشيت صحافي، وفي منتصف الألفية صدر حكم جائر ضد الكاتب حمزة المزيني تدخل الملك عبدالله لإيقافه بسبب مخالفته للأنظمة، وفي سنة ٢٠٠٨ أصدر الشيخ عبدالرحمن البراك فتوى تكفيرية نالت من الكاتبين عبدالله بجاد ويوسف أبا الخيل، وفي أغلب هذه الحوادث كانت الدولة في صف المواطنين.

وعلى صعيد التنمية حدث ولا حرج، المعارضة الدينية التي واجهت قرار وزير العمل الراحل غازي القصيبي حول تأنيث متاجر الملابس الداخلية النسائية، حرمان السعوديين من حقهم في الترفيه وحرمان السعوديات من حقهن في التنقل والعمل (سنة ٢٠١٠ رضخت وزارة الداخلية لضغوط التيار الديني ومنعت المرأة  من العمل ككاشيرة)، ونتذكر جميعا الحملات التي شنها المتطرفون ضد معرض الكتاب والجنادرية ومشروع الابتعاث، ومن طرائف الماضي أن الشركة السعودية للأبحاث والتسويق أغلقت مجلة “قمر ١٤” بسبب احتجاج من التيار الديني مفاده أن اسم المجلة “يثير الغرائز والشهوات”، طبعا هذه القصص وغيرها شكلت موادا استخدمتها وسائل الإعلام العالمية للحديث السلبي عن المملكة وشعبها، والأهم من ذلك ان تلك الحقب أضاعت فرصا اقتصادية على السعوديين فوق مصادرتها لحقوقهم.

ثالثا، كان طريفا عبدالله العودة وهو يتهم ولي العهد بقيادة المملكة إلى عصور الظلام، لأن الحقيقة في مكان آخر، فانفتاح المملكة على الفنون والثقافات والمعاصرة والاعتراف بالآخر من الممكن أن تسميه أي شيء إلا “عصر الظلام”، ولنسأل العودة أي التصريحين أقرب إلى عصور الظلام، الأول فتوى صادرة سنة ١٩٢٧ تطالب الحاكم بنفي الشيعة من المملكة لأنهم كفار، (وللأسف هناك فتاوى رسمية وشبه رسمية كثيرة بنفس المعنى إلى زمن قريب)، والثاني تصريح ولي العهد الشهير في مجلة ذا أتلانتيك : “ستجدون شيعياً في مجلس الوزراء، وستجدون شيعةً في الحكومة، كما أن أهم جامعة في السعودية يرأسها شيعي، مشكلتنا ليست مع الشيعة الذين يعيشون حياة طبيعية في المملكة، مشكلتنا فقط مع أيديولوجية النظام الإيراني”، اعتقد لا مجال للمقارنة.

رابعا، يقول العودة أن الأمير محمد بن سلمان يقود المملكة إلى ملكية مطلقة ثارت ضدها الشعوب ورفضتها، ويبدو أن الكاتب غابت عنه أشياء أهمها ان النظام السياسي في عهد الملك سلمان وولي عهده هو نفس النظام السياسي الموجود قبلهما، ولا يوجد ملك او مسؤول سعودي ادعى أن المملكة نظامها ديمقراطي، ويحسب للمسؤولين السعوديين صدقهم مع الناس، وهذا أفضل من التجارب العربية التي تدعي الديمقراطية ظاهرا لكنها حقيقة وباطنا ليس بعدها ديكتاتورية، وقد حفظ حكام المملكة حق المواطنين في “توسيع المشاركة الشعبية”، ويحسب لحكام المملكة أيضا أنهم لم يدعوا يوما الألوهية او النبوة او الملائكية، فليس هناك في المملكة او في العالم شخص او نظام خال من العيوب أو التجاوزات او التقصير او الأخطاء.

وما غاب عن العودة كذلك، إن الملكية المطلقة، “السلطان المطلق للملوك”، جاءت في الأساس لإنقاذ الناس من الاستبداد الديني، وكانت مرحلة مهمة في تطور النظام السياسي وصياغة الحقوق والحريات وصونها تاريخيا، ومن المهم هنا الاستفادة مما رأيناه في الربيع العربي، في تجربة مصر مثلا أرادوا افتتاح التغيير بالسياسة، فكادوا أن يخسروا الدولة برمتها، أما تجربة تونس الأنجح نسبيا قامت على تراكم حقبة الحبيب بورقيبة الذي كان حاكما مطلقا لكنه قام بإصلاح ديني وثقافي واجتماعي تمكنت تونس من البناء عليه لاحقا.

إن المملكة تمر اليوم بظرفين خطيرين ودقيقين، الأول حالة الحرب على مستوى الحدود (عاصفة الحزم) وعلى مستوى الإقليم (ايران)، والثاني إعادة تأسيس الدولة، ومن الطبيعي في أي دولة تمر بهذه الظروف أن تلجأ إلى الحزم لحفظ وجودها وللعودة إلى العالم، وترف الجدل سيكون له أوانه لاحقا، وما أتصوره أن الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي نعيشها، ستقودنا حتما وقطعا إلى تطور وتطوير شاملين من الناحية السياسية، وولي العهد ليس بحاجة إلى التصريح بذلك بسبب استمرارية الحكم السعودي تخطيطا ونهجا (هناك تصريحات رسمية كثيرة تؤكد على الإصلاح الشامل)، والأهم من ذلك أن المحك هو الأفعال والقرارات لا التصريحات والوعود.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق