الرأيكتاب أنحاء

القول المختصر في فضل الذكر

ونحن نعيش هذه الأيام موسماً عظيماً من مواسم العبادة, لا بد أن نتذكر, أن القلب يئن, والنفس تضيق, والفكر يحتار, والنظر يقصر, والعقل يتخبط في الأهواء, والروح تتلفها المادة, والجسد تنهكه الأدواء, ولكن الفرج في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا), قال (ابن عون) رحمه الله : (ذكرُ الناس داء, وذكرُ الله دواء).

الدواء ثمين لكنه متوفر, والعبد جافي وعنه مُقصر, القلب به يسعد ويتقوى, والروح به تتزيّن وتترقّى, هو حفظٌ وسلامة, وهو للمحبةِ علامة, يواسي الأرواح الحزينة, ويُنزل على القلوب السكينة, ويغمرها سلاماً وطمأنينة, قال الله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).

نتسابق على العروض والتخفيضات, ونتباهى بمعرفة الخبايا والاختصارات, ونتنافس في الحصول على الهدايا والامتيازات, وننسى ونغفل عن العطايا الربانية, والمنح الإلهية, يقول الله تعالى: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا), قال (ابن القيم) رحمه الله: (من شاء أن يسكن رياض الجنة في الدنيا, فليستوطن مجالس الذكر, فإنها رياض الجنة).

جاء رجل إلى الحسن رضي الله عنه يشكو إليه قسوة قلبه, فقال له: (أذبه بالذكر), وذلك لأن القلوب تقسو بالغفلة, وتلين بذكر الله, قال الله تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ), يقول (ابن القيم) رحمه الله في قسوة القلب: (ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما, وجلاؤه بالذكر, فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء, فإذا تُرك الذكر صدئ, وإذا ذكر جلاه).

ذِكر الله ليس له حدٌّ محدود, قال ابن عباس رضي الله عنه: (إنّ اللّه تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلّا جعل لها حدّا معلوماً، ثمّ عذر أهلها في حال العذر، غير الذّكر فإنّ اللّه تعالى لم يجعل له حدّا ينتهي إليه، ولم يعذر أحداً في تركه إلّا مغلوباً على تركه, فقال: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ), أي باللّيل والنّهار في البرّ والبحر، وفي السّفر والحضر، والغنى والفقر، والسّقم والصّحّة، والسّرّ والعلانية، وعلى كلّ حال).

الذكر أجور بلا حدود, عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين؛ فتلك تسع وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت له خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر).

ذكر الله يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره, يقول الله تعالى: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ). يقول ابن القيم: (فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقاً بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى, وأن لا يزال لهجاً بذكره فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر, ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة, فهو يرصده, فإذا غفل وثب عليه وافترسه,

وإذا ذكر الله تعالى انخنس عدو الله تعالى وتصاغر وانقمع, حتى يكون كالوصع وكالذباب, ولهذا سمي (الوسواس الخناس), أي يوسوس في الصدور فإذا ذكر الله تعالى خنس أي كف وأنقبض).

كما أن ذكر الله حماية من الشرور, ووقاية من الحوادث, عن (أبي جعفر) رحمه الله قال: الصواعق تُصيب المؤمن وغير المؤمن, ولا تُصيب الذاكر.

اللهم اجعلنا من الذاكرين واجعل ألسنتنا رطبة بذكرك, في حديث عبدالله بن بُسر رضي الله عنه: (أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ إنَّ شرائعَ الإسلامِ قد كثُرَتْ عليَّ فأخبِرْني بشيءٍ أتشَبَّثُ به, قال: لا يزالُ لسانُك رطبًا من ذكر اللهِ). وقال (ميمون بن سياه) رحمه الله : إذا أراد الله بعبده خيراً حبب إليه ذكره.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق