الرأيكتاب أنحاء

هل رأى العيب حيارى مثلنا؟

منذ نعومة أظفاري وأنا أسمع كلمة ( عيب ) وهي موجودة أصلاً قبل أن توجد أظفاري وأظفار أجيال كثيرة ساحقة قبلي ، في البداية كنت أفهم من هذه الكلمة أنها تدل على ( الشئ الممنوع ) وكنت أقف عند أي شئ لمجرد أنه عيب دون أن أسأل ما السبب الذي جعل هذا الشئ عيب أو ممنوع وقتها ، ثم كبرت قليلاً وأدركت أنها تُطلق على الشئ الممنوع بلا مبرر وحين أسأل عن سبب المنع أسمع الجواب ( عيب وبس ) جواب تقليدي مع غياب كامل للعقل والمنطق المهم أن أفهم أنه عيب ولا أفعله حتى لو لم أقتنع ، وكبرت أكثر ووجدت أن العيب هو الخطأ من وجهة نظر المجتمع ( العامة ) وهو مبني على معلومات ومشاهدات توارثوها أباً عن جد وطبقوها دون تفكير أو سؤال ثم جرت العادة على أنها ( عيب ) ، كبرت أكثر ورأيت أن ( العيب ) هو الذي يجب أن لا نفعله أمام الناس بينما نفعله خفية بكل راحة ضمير ولم أقتنع بعد !

وكبرت وأظنُّ أني نضجت ( وليس كل الظن إثم ) كما يقول الدكتور أحمد العرفج ووجدت أن العيب معمول به ويقف الناس عنده أكثر من الحرام وأن المانع الاجتماعي أقوى من المانع الشرعي وأن الناس تستحي من البشر ولا تستحي من رب البشر !

ومع تطور مراحل العيب اكتشفت أنه غير محدد المعالم وليس ذا دلالة قاطعة وليس له أساس يتحاكم الناس إليه فكل مالا يعجبنا فعله حتى لو لم يؤذينا  وحتى لو أننا نفعله خفية ( أحياناً أو غالباً ) يحكم عليه ( بالعيب ) وحين تسأل عن مفهوم مقنع لهذه الكلمة تسمع الرد ( مافيه عيب إلا العيب ) وفسّرَ الماء بعد الجُهدِ بالماء !!

من الذي ورّطنا بهذه الكلمة التي لها كل هذه السُّلطة ؟

كلمة واحدة تُقيّدُنا عن فعل الكثير !

لماذا نُسَلّم عقولنا لموروث أكل عليه الدهر وشرِب ؟

كرّمنا الله بالعقل وميّزنا به لكي نسأل أنفسنا قبل أن نسأل الناس ماذا نحب أن نفعل وماذا يجب أن نفعل ؟ أمرنا الله بمراقبته في أفعالنا وابتغاء رضوانه  وليس بمراقبة الناس واتباع هواهم وطلب رضاهم !

حياتنا ملك لنا ونحن الذين نعيشها والمسؤولون عنها ، كم امرأة تجنبت الوظيفة التي تريدها والمجال الذي يحقق طموحها ويناسب قدراتها ( على شان عيب )!

وكم من رجل تمنى الزواج من امرأة يعلم أنها تناسبه وهي ترضاه لنفسها لكن لم يفعلا ( على شان عيب ) !

وكم من شخص أراد أن يُطوّر موهبته في مجال ما ولم يحقق مراده ( على شان عيب ) !

وما استفزّني فعلاً في هذا الموضوع هو أنّني رأيت طفلة تبلغ من العمر أربع سنوات أو أقل تستخدم هذه الكلمة كثيراً في لَعِبِها وفي مخاطبتها للكبار أدركت حينها خطورة هذه الكلمة وهذا القيد ونحن في هذا الزمن المتقدّم الذي يسمح لكل أن يعيش كما يريد !

لو أحَسنَ البشر استخدام عقولهم لما التفتوا لهذه الكلمة المطاطيّة غير واضحة المعالم والحدود والتي تُعلّم النشء على الانسلاخ عن ذواتهم والاهتمام بأراء الناس بهم وتُفقدهم الثقة والاعتزاز بأنفسهم وتجعلهم يُقدّسون الموروث ويجعلونه دستوراً يحكم سلوكياتهم .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق