الرأيمقالات الصحف

وقفة مع عملاء إيران

قال الإمام الذهبي: “الخيانة قبيحة في كل شيء، وبعضها شر من بعض، وليس من خانك في فلْس كمن خانك في أهلك ومالك وارتكب العظائم”.

وعن حكم الخيانة شرعاً قال الإمام القرطبي: “اختلف الناس فيه، فقال مالك وابن القاسم وأشهب: يجتهد في ذلك الإمام، وقال عبدالملك: إذا كانت عادته تلك، قُتل، لأنَّه جاسوس، وقد قال مالك بقتل الجاسوس، وهو صحيح، لإضراره بالمسلمين، وسعيِه بالفساد في الأرض”.

أستذكر هذه الأقوال الفقهية في معالجة قضية ظاهرة في دنيا العرب والمسلمين، فحيثما تغلغلت إيران – أو أرادت التغلغل – كان لها أدواتها وأبواقها من رأس الجبل إلى سفحه، وكانت المبررات حاضرة، من اعتراض على تهميش أو مظالم، إلى ضعف أمام المال والجاه.

إن مجابهة هذه الظاهرة الخطيرة تمت سابقا بنوع من التساهل والاستخفاف تسبب في تفاقمها لاحقا، ومن ذلك الحوار والإغراء، ومشكلة هذا النوع من التعامل أن فيه تشجيعا على الخيانة، وفيه غبن للحلفاء والأصدقاء.

في عام ٢٠١٥ كتب عبدالرحمن الراشد في إطار قراءته لمواجهة الإرهاب والتطرف: “بعد انتحار هتلر ثم حرق جثته، لم يكتفِ المنتصرون في الحرب على النازية برفع العلم على برلين، بل منعوا الفكر النازي من التنفس. حرموا تدريسه، والترويج له، ومنعوا كل واحد له علاقة به من أي نشاط مجتمعي”. وما كتبه صحيح، وإن وجب تطبيقه على أتباع داعش والقاعدة، فمن الأولى كذلك تطبيقه على عملاء إيران، العرب عموما والسنة خصوصا.

منذ قيام الثورة الإسلاموية الإيرانية سنة ١٩٧٩ وهي تسير في نهج واضح ضد الدول العربية وضد المجتمعات السنية، ومن ذلك: شبكات التجسس والإرهاب، مصادرة الشيعة العرب وما تيسر من الأقليات، اغتيال الساسة الوطنيين وتعطيل انتظام المؤسسات والدستور في غير دولة عربية كما شاهدنا في العراق وفي لبنان على سبيل المثال.

وفي سوريا بالتحديد، تجلت الفظائع الإيرانية في أبشع صورها، من حملات التشييع إلى تهجير السكان وقتل المدنيين العزل، وفي البحرين ثم اليمن شاهدنا محاولة واضحة لابتلاع الدولة، وفي فلسطين رأينا بأم العين شق صفوف الفلسطينيين وتمزيق قضيتهم العادلة.

إن الجرائم الإيرانية التي عاصرناها في العالم العربي لا تقبل التأويل والالتفاف، وبالتالي فإن التعاطف معها أو موالاتها أو الوقوف في معسكرها لا يقبل التساهل والتبرير.

الميليشيات الإيرانية التي تشكلت في دنيا العرب والمسلمين مصيرها محسوم ومعروف في السجون والمقابر، لكن هناك فئة أخرى تشكلت خلف صفوف الميليشيات هدفها الاقتيات على فتات الغنائم، وأعني هنا تحديدا بعض الساسة العرب والسنة، وهؤلاء يستحقون وقفة حازمة من أجل معاقبتهم وردع غيرهم وصد المشروع التوسعي الإيراني، وأقل إجراء في حقهم هو عزلهم ونبذهم دينيا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا: لا يزوجون ولا يتزوجون ولا يرثون ولا يدخلون مساجد المسلمين ولا يدفنون في مقابرهم، وإن أمكن استبعاد أتباعهم من المساعدات الخيرية والوظائف. هذا ما يجب تطبيقه على أتباع الإرهاب وأتباع إيران على السواء.

أعود إلى مقالة أخرى لعبدالرحمن الراشد: “ليست صدفة أن في عدد من الدول الغربية، التي ينص دستورها صراحة على حماية حرية التعبير والتحزب، منع النازية استثناء، فكرًا ونشاطًا، ويعاقب فاعله عليه. المسألة ليست نفاقًا، ولا تراجعًا عن الحريات، ولا تقييدًا تمييزيًا. السبب أن النازية فكر قومي فاشي بالغ التطرف يمثل خطرًا مباشرًا على الأمة، وتاريخها الدامي حديث ولا يزال جمرها تحت الرماد. تطرف الأفكار في كل فن لكن لأن تطرف القومية النازية من الخطورة قررت ألا تتحمله، ولا تتسامح معه، أكثر الأنظمة الليبرالية إيمانًا بالحريات”.

حيثما تكون الدولة العربية قوية لا خوف من الإرهاب أو من إيران، فسيف العدالة فوق رؤوس الميليشيات والجواسيس، إنما الخوف كامن في الدول الهشة والمهترئة، وإن لم تستطع تلك الدول ردع الميليشيات والجواسيس والعملاء، تستطيع المجتمعات أن تقوم بدورها ولو في حدود ضيقة بالتوازي مع العقوبات الدولية على إيران وميليشياتها، شريطة الابتعاد عن التسييس والتعسف في تعريف الخيانة، ومن يستهول رد الفعل عليه أن يتدبر الفعل وتداعياته في الدول التي اخترقتها إيران وتعمل على تقويضها، فالجزاء من جنس العمل، والتساهل مع الخيانة وتبريرها سيمتد حكما وحتما إلى كل الجرائم، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

العربية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق