الرأيكتاب أنحاء

كوسوفا.. حكاية أم

“سرّ الحياة الإنسانية، وينبوع وجودها، وكوكبها الأعلى الذي تنبعث منه جميع أشعتها، ينحصر في كلمة واحدة، هي قلب الأم”.  مصطفى لطفي المنفلوطي

قبل عام تقريباً، كنت في ربوع كوسوفا، عروس ودرّة منطقة البلقان، أتنقّل بين جبال “روغوفا”، وشلالات “ميروشا”، وبحيرة “ليسانات”، في ربيع حقيقي يأخذ بلبّك، ويحلّق بك في عوالم من البهاء والخضرة التي لا تنتهي.

حضرت هناك مسابقة للقرآن الكريم، أقيمت في المدرسة التاريخية التي خرّجت علماء وكثيراً من قادة هذا البلد، مدرسة “علاء الدين” الإسلامية.

كوسوفا – كما أسلفت في مقالات فارطة – دولة أقرب لأوروبا منها للمشرق، والمسابقة التي رعتها رابطة العالم الإسلامي عبر الهيئة العالمية للكتاب والسنة – والتي لها حضورٌ مشرقٌ بتلك البلاد من سنوات عديدة، وتحظى بسمعة عريضة، وبحفاوةِ ورضى دار المشيخة الإسلامية الرسمية هناك، لما بذلته من جهود مميزة في خدمة كتاب الله بتلك الأصقاع، وما عكسته من صورة وضيئة لاعتدال ووسطية بلادنا-  لفتت نظري أثناء المسابقة فتاتان في الثالثة عشرة والرابعة عشرة من أعمارهن، وقسَم الله لهن نصيباً من الجمال الألباني الأخّاذ، وأضيف عليها بهاءُ ونور القرآن الكريم اللذان يتألقان في ملامح كل من يداوم ويقرأ في كتاب الله، ونرى ذلك في الوجوه المتوضئة للناشئة والأطفال في حلقات تحفيظ القرآن الكريم. هالةٌ من نورٍ إيماني تطالعه في وجوههم، وقبولٌ كاملٌ ومحبةٌ تتغلغل إلى قلبك حال رؤيتك لهؤلاء المداومين على تلاوة كتاب الله والمساجد.

الفتاتان اللتان أضفى حجابهما عليهما جمالاً فوق جمالهما، تؤخذ وأنت تستمع لتلاوتهما، تأخذك رقةٌ في قلبك، وانجذابٌ كاملٌ وهما تقرآن آيات القرآن الكريم، ولا تملك إلا أن تذكر الله تعالى وتشكره أن رزقهما هذا الطريق، وكانتا من التفوق والذكاء والألمعية أن حققتا المراكز الأولى في حقل المسابقة الذي تتسابقان فيه.

كانت اسم الكبيرة “رينيتا نيتاي”، وتتكلم العربية بشكل لا بأس به بالنسبة لعمرها ودراستها، وتحفظ عشرة أجزاء من القرآن، بينما الصغيرة اسمها فاطمة، وتحفظ سبعة أجزاء من القرآن الكريم، وهما ماضيتان ومصرّتان على حفظ القرآن الكريم كاملاً.

كنت جالساً بجوار سماحة مفتي كوسوفا، الشيخ المسدّد نعيم ترنافا، وعبّرت له عما اعتمل في نفسي، وما اكتنفتني من مشاعر تجاه هاته الفتيات اللواتي يتبارين في حفظ القرآن، وقال لي باهتمامهم هناك بالمرأة وتعليمها، وبعد المسابقة هنأنا والدتهما التي أتت إلينا فخورة لا تسعها الفرحة من فوز ابنتيها.

كانت هذه الأم الكوسوفية القحّة، سيدةٌ في العقد الخامس من عمرها، ولكن العزيمة الماضية والقوة تنبعثان من عينيها، وتيقّنت بأن شخصيتها هاته، وقبل ذلك الإيمان المتغلغل في داخلها؛ السبب فيما وصلت له ابنتاها من نبوغ وتفوق في حفظ كتاب الله.

كان اسم هذه الوالدة العظيمة: “حواء”، وهي كمعظم جيلها ممن نشأن في الشيوعية، بعيدة عن الدين، بل لا تفقه فيه شيئاً، ولا تعرف من الإسلام سوى الشهادتين فقط، وقد أدركتني حرفتي الإعلامية وفضول الصحفي فيّ، فسألتها عن قصتها وابنتيها، حتى وصلتا لهذه المرحلة من النجاح، فقصّت لي ابنتها “رينيتا” هداية والدتها، وذلك بأنه في يومٍ ما إبّان الشيوعية البائدة، رأت جموعاً من حجّاج كوسوفا يأتون من الحج، وتبصّرتْ الفرح والنور على وجوههم، وميّزت الاطمئنان النفسي في دواخلهم، وتساءلت عن هذا الركن في دينها، وهي التي لم تك تعرف شيئاً، وانفلتت تقرأ في الكتب التي تتحدث عن الإسلام، وانبجس نور الهداية في قلبها مباشرة.

الأم العظيمة هذه تريد الدين والتزامه، بيد أنها كانت لا تعرف كيف تبدأ، وهداها تفكيرها أن تلبس ابتداء الحجاب، وقامت بارتدائه على رأسها، وذهبت لتصلي، وهي لا تعرف، لا الفاتحة ولا أية سورة من القرآن الكريم، ما ثمّ إلا إيمانٌ متفجرٌ في داخلها يدفعها لأن تناجي الله وتبكي في صلاتها وفقط، كانت هذه الصلاة التي تعرف، تلبس الحجاب، وتقف تبكي أمام الله تعالى، وهي تظن أن هذه هي الصلاة،  وقرّرت وقتها أن تتمّسك وتتعلّم الدين، ولو كلّفها ذلك أغلى ما تملك.

زوجها دُهش من لبسها الحجاب في القرية، وقد باتت “حواء” حكاية تلوكها نساء القرية ورجالها بكثير من السخرية والتهكم، ولا تنسوا أن هؤلاء هم الجيل الرابع الذي ولد في الشيوعية بعيداً تماماً عن الدين، بيد أن الأم العظيمة “حواء” صمدت، ولم يزدها ذلك إلا إصراراً على دينها، بل وصل بها الحال أن يهدّدها زوجها بطلاقها إن لم تترك الحجاب، بسبب التهكم والسخرية اللذين لاحقا العائلة، ورفضت “حواء” بالطبع، ودخلت في مشاكل زوجية عميقة بسبب ذلك، ولكأن حديث أنس رضي الله عنه الذي رواه عن نبينا الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم، يتحقق فيها: “يأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ؛ الْقَابِضُ عَلَى دينه كالقابض على الجمر”.

أقرب الناس تنكّر لها، مجتمعها الصغير وقف ضدها، هي لا تعرف كيف تعبد ربها؛ هنا التجأت إلى الله تعالى –تحكي لي حواء- وناجته في جوف الليالي أن يثبتها على دينها، ويهدي زوجها، وباتت تسافر من قريتها إلى مدينة “بيا” كل صباح، وتأتي مسجد المدينة البعيد، وتجلس في ركن منه، كي تتعلّم من إمام المسجد هناك الصلاة وأركان الإسلام، ونذرت حينها نذراً أن تسخّرهم -أبناءها الثلاث “رينيتا وفاطمة ومحمد”- لخدمة دين الله، وأن تحفظّهم القرآن الكريم.

وباشرت نذرها مع ابنتيها الصغيرتين، وتحكي “رينيتا”: “كانت والدتنا تجلس على رأسينا كي نحفظ القرآن، وهي تعدُنا أن نلعب مع أقراننا إن قرأنا الصفحة من السورة عشرين مرة، وعندما ننتهي، تقول اقرئيها لأربعين، وهكذا حتى نتمّ المائة، وهي تجلس بجوارنا تحثنا وتحنو علينا، وتماطلنا وتمدّنا بالحلوى، كل ذلك حتى يدهمنا النوم، وننام ويذهب اليوم ولا نلعب مع بنات القرية، كي لا ننشغل عن حفظ كتاب الله”.

كان لهذه الأم العظيمة “حواء” حلمٌ عاشت له، وبدأ يكبر مع الأيام، فهي أرادت أن تحجّ بيت الله الحرام، فصورة أولئك الحجاج لم تفارق مخيلتها، وهي على حال مادية بسيطة، ولكن ثقتها بالله وإيمانها وإصرارها في الدعاء جعلتها تؤمن أنها ستحجّ يوماً ما، فالتجأت – بفطرة المسلم البسيط – للصيام، فكانت تصوم الأيام المتتالية الطويلة، وكانت تدعو عند فطرها أن يرزقها الله حجّ بيته مع عائلتها، وكان ذلك حلماً بعيداً جداً بسبب أكلافها المادية الباهضة عليهم، بيد أن “حواء” لم تيأس، وكانت تصوم الأيام وتدعو ربها في جوف الليالي أن ييسّر لها حجّ بيته.

عانت هذه الأم التي كرّست حياتها لتحقيق نذرها بتعليم ابنتيها وابنها القرآن الكريم، وتقول ابنتها “رينيتا”: “كنا نذهب في أيام الشتاء القارصة، والجليد متراكم، والطرق صعبة، وهي تصرّ علينا ألا نغيب عن المدرسة، وترافقنا وتمسك بأيدينا الصغيرة، وتظل في ذلك الزمهرير بالخارج، تنتظرنا لساعات طوال حتى ننتهي، وتأخذنا بعد ذلك للبيت.  في هذه المدرسة تعلّمنا العربية قليلاً، وفي أحد الأيام طلبني أحد الأساتذة، وقال بأن عائلة سعودية من مدينة جدة، أتوا كوسوفا، ويبحثون عن فتاة تترجم لهم بالعربية، واختارني هذا الأستاذ، وذهبت لهم، وفرحوا بي، وآنسوا بحديثي معهم، وسألوني عن عائلتي، فأخبرتهم وأصرّوا على زيارتنا في البيت”.

تكمل الابنة “رينيتا”: “أتت هذه العائلة السعودية، وسمعوا قصة أمي وهي تحكي لهم عن أحلامها بنا، وعن أمنيتها في الحجّ، وأنها تصوم الأيام المتتالية، كي يحقّق الله لها أمنية حياتها، ولكأن العائلة السعودية كانت موسرة، فبادرتها الزوجة السعودية، وقالت: أبشري، سيتحقق حلمك هذا العام إن شاء الله، ليس أنت فقط، بل حتى ابنتاك معك. وتكفّلت بمصاريف حجتنا لبيت الله. كانت مفاجأة كالصدمة لنا، وبقينا في ذهول تام، لم نفق منه لأيام، وفعلا أتينا مكة المكرمة ونحن نبكي ولا نصدّق أن الله حقّق لنا هذا الحلم، ولا تعلم أية فرحة وسعتنا ونحن أمام الكعبة المشرفة!! ولو رأيت حالة أمي بتلك اللحظة التي وقفت أمام بيت الله، لا تملك إلا أن تبكي وأنت ترى دموعها منهملات، وقد طارت بها المشاعر، غير مصدقة، ولا تملك إلا أن تنطرح ساجدة في ردهات الحرم وهي تبكي وتبكي وتدعو الله شاكرة له، لقد كان حلماً بعيداً بعيداً جداً، وحقّقه الله لها، بفضل إيمانها ودعواتها عند فطرها في أيام الصيام المتتابعة التي لم تتركه، ومن فرح والدتي أن الله استجاب لها؛ نذرت بأن تصوم الاثنين والخميس حتى نهاية حياتها بهذه الدنيا، وهي ما زالت للآن تفعل ذلك”.

ابنتاها حققتا المراكز الاولى في كثير من المسابقات، وقلت للأم “حواء”: “لا تجعلي حلمك فقط أن تحفظ ابنتاك القرآن الكريم فقط، بل اجعلي هدفك أن يكنّ عالمات بالشريعة، فمنزلة العالم المدرك ربما أكبر من الحافظ فقط، لأن العالم بالشريعة سيحفظ القرآن الكريم بالتأكيد مع مراجعته لكتب الفقه والحديث والتفسير. منزلته أكبر، وبلادكم عائدة إلى الدين القويم والحمد لله، وجيل النساء يحتجن إلى عالمات شريعة، فهن الأكثر والأقدر لتفهم ظروف النساء”. وفرحت بكلامي واقتنعت، وقالت سأفعل.

“حواء” أنموذجٌ لأمٍّ كوسوفية من مئات الآلاف مثلها، سكنَ الايمان في قلبها، ولم تتخلّ عن دينها والحمد لله.

فرحتُ كثيرا بلقائها، ودعوت الله لهم، وكان من نبل سماحة المفتي “نعيم ترنافا” أن اكترى للعائلة شقة صغيرة في العاصمة “بريشتينا”، كي تلتحقا بمدرسة “علاء الدين” وتكملا دراستهما الثانوية، وأرسلت لي الابنة “رينيتا” قبل أسابيع أنها –وأختها- أتمتا حفظ نصف القرآن الكريم، وأنهيتا الثانوية بتقدير امتياز، وهما يكملان مرحلتهما الجامعية في كلية الدراسات الإسلامية ببرشتينا العاصمة، وتريدان أن تصبحا عالمتا شريعة.

سردت هذه القصة في كتابي الجديد”14 يوما في كوسوفا” الذي أنهيته وهو بمرحلة الطباعة، وأتذكر أنني رددت بعد سماعي لقصة هذه الأم الكوسوفية العظيمة، وما فعلته مع ابنتيها وزوجها وقريتها، ما قاله جبران خليل جبران:

 “كل البيوت مظلمة، الى أن تستيقظ الأم”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. صورة رائعة ، رسمتها بقلمك !
    فأبدعت في تجسيدها لتملأ بها وقتا من عمر القراءة المؤثرة في بناء الإنسان …
    وعجيب مانقلت من خبر ! لكل متأمل ، انتصر أولئك على عجمى ، وتسلط عدو ، وغياب مصادر الثقافة ، وظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية ، ليكونوا مسلمين ! يتمسكون ويزدادون إقبالا ،وغيرهم ممن توفرت لهم الظروف وبترف وغدق يتفلتون …
    ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق