الرأيكتاب أنحاء

كيف وقعت في حب دبي بعد فترة عزوف طويلة ؟!!

واحدة من صفات مواليد برج الدلو أنهم يكرهون الانجراف خلف ما يتبعه الأغلبية ، ويعتدون بما تمليه عليهم عقولهم ، حتى يثبتوا العكس بأنفسهم  واعتقد أنها مزية حقيقية تعتريني بشكل دائم بصفتي  واحدا من مواليد هذا البرج . فقد  كانت فكرة أن دبي وجهة سياحية فريدة واحدة من ضحايا هذه المعتقد الذي لم  يكسر في عقلي الا بحق اليقين  ، فلم أكن أثق بأن دبي وجهة سياحية تضاهي وجهات السياحة العريقة ، أو حتى قريبة منها  ، وكنت ضاربا الصفح عن كل ما يرد من دعاية متكررة في القنوات ، والشبكات ، وعلى أفواه الأصدقاء . كانت تسيطر على عقلي فكرة أن الإماراتيين فاحشين الثراء ، لا يهمهم مسألة الاقتصاد الحقيقي ذو الريع ، بقدر ما يهمهم الدعاية لأنفسهم ، وخلق مدينة عالمية بالإجبار ، حتى لو بنوا لبناتها من الزمرد والمرجان ، وطلوا جدرانها بالذهب والفضة ، ولم يخطر ببالي أن ازور هذه المدينة – ربما  يكون لعقدة الفقر وما يقفز لمخيلتي لما أسميه متلازمة الغنى والطغيان سبب في ذلك العزوف .. كنت اعتقد ان دبي ملعقة ذهب في يد احد اباطرة المال ، وواحدة من  مستعمرات هارون الرشيد المليئة بالقينات والمجون والبذخ ، وطالما راودتني فكرة ان اقتصادها هش يشرب من عين نفط ، خططها البريطانيون ، ويديرها اللبنانيون ، وتشغلها العمالة الاسيوية المسحوقة ،  لتكون مصدر زهو للإماراتي الذي لا يقضي اجازته سوى بباريس ولندن .. !!

زرت معظم وجهات السياحة بالعالم ، وادرت ظهري لدبي ، وكالعادة ليس ثمة من يثنيني عن عنادي سوى امرأة واحدة ، حواء التي يقال انها من ضلعي ، أخرجتني ، لكنها هذه المرة لم تخرجني من الجنة بل ذهبت بي لها !.  أصرت زوجتي ومنذ فترة على أن نذهب لدبي ، وأن نجدد ذكرى زواجنا هناك ، قلت : لنذهب لأي مكان بالعالم ! ماذا في دبي ؟! سوى برج نحيل مدبب تُكلّف فيه كي يصبح أطول برج في العالم ، قالت : ماذا ستخسر ؟ اكتشف مكانا جديدا ، وقريبا ربما ستغير رأيك ..؟!!

كان التخطيط سريعا ، وكان اختيار الوقت رائعا ، آواخر فبراير ، فقط ثلاثة أيام واربع ليال ، هبطت طائرتنا بالمطار، لم يكن بالطائرة مقعدا واحدا خاليا ، خلافا لما كنت أتوقع ، كوننا في وقت ليس ضمن أوقات الاكتظاظ بالزوار ، ودلفنا لصالة القدوم ، كنت مشدوها كأول ما رأيت ، ان هناك ازدحام بالقادمين ، وهناك سلاسة في المرور ، قطار يستقلنا لصالة استلام الحقائب في غضون 3 دقائق ، والقطار يستقل الركاب بشكل فوري ، ليس ثمة دقائق انتظار! ،  وفي ممر المستقبلين المرتفع والمتعرج بشكل يجعل القادم والمستقبل يتعرف على الاخر بسهولة ، كان عشرات من اللافتات بأسماء الضيوف ، ادهشتني كثرة القادمين في وقت تعتبر دبي في أدنى فترات ارتياد السياح لها .

لكن ماذا رأيت في دبي ؟!، لن اطيل في الوصف فكثير اسهبوا غيري ، لكن دعوني اختصر وأقول : دبي ليست مدينة بقدر ما تكون قصيدة من قصائد الحب التي تغنى بها بانيها الشيخ راشد آل مكتوم ، اكتشفت متأخرا أنها ليست فضلة مال ، أو سبيكة من الذهب ، تُرِكت ترفا  على شاطئ الخليج ، بل هي محبوبة ، صيغ حليها بعبقرية ، وبُني قصرها بإلهام مثل ما بُني تاج محل ، ثلاثة حواس رئيسية تستمتع كثيرا في دبي ، برائحة القهوة ، وفخامة التصميم  ، وعذوبة الغناء .. دبي باختصار هي مدينة بُنيت بعشق ، لتكون مهبط أفئدة العشاق !!

ولعلي في نهاية مقالي أن اختم بما ذكرت في بداية مقالي ، أن من ضمن ما كنت اعرف عن هذه الساحرة ، أنها مدينة بنتها العقول البريطانية ، وادارتها اللباقة اللبنانية ، بمال أماراتي ( اكتشفت مؤخرا انه مال وضع بشكل سليم ، وصادق ، وبدافع الحب والولاء للأرض ) ، وللمصادفة  ففي بداية رحلتي بالطائرة كان جاري بالمقعد رجل اعمال لبناني ، وفي عودتي كان جاري بمقعد العودة مهندس بريطاني عجوز ، حرصت ان استأذن زوجتي في الحديث معهما لأخذ رأيهم في دبي وانقله بداية لها ونهاية لكم هنا  ..  اللبناني قال لا اشعر بفرق بين بيروت ودبي .. دبي بناها الحب ، وبيروت خربتها الحرب !! وقال المهندس البريطاني :  احضر لدبي شهريا من السعودية حيث املك شركة استشارية بالرياض ، ولا بد لي من دبي كل نهاية  شهر !!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق