الرأيكتاب أنحاء

أخلاقيات الدراما فى السينما والتليفزيون

فى ظل التراجع الأخلاقى الذى تشهده المجتمعات العربية تزداد الحاجة إلى إعادة النظر فى الكثير من المفاهيم والسلوكيات التى طغت على الحياة الاجتماعية للناس، بحيث اختلطت الأمور، ولم يعد من السهل التمييز بين ما هو صواب وماهو خطأ، بل بين ما هو خير وما هو شر. فكل ما نعانيه الأن وما نعيشه حولنا من أزمات إنما يمكن رده -فى التحليل الآخير- إلى أزمة الأخلاق.

والحقيقة أن المسألة على هذا النحو لا تنفى الأهمية الكبيرة التى تحظى بها الأخلاق فى هذه المجتمعات. ففى سنوات دراستنا الأولى كانوا يقولون لنا أن وزارة التربية والتعليم سميت بهذا الاسم إيمانا باولوية التربية على التعليم. وفى المأثور الشعبى يقال ”الأدب فضلوه على العلم”، وفى النص الدينى يقول المولى عز وجل فى رسوله الكريم ”وإنك لعلى خلق عظيم”، ويقول (ص) فى الحديث الشريف ”… إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه”.

ولا يغفل العقل المجرد التنظير للأخلاق، فنجد مبحثا كاملا فى الفلسفة بعنوان ”علم الأخلاق”،Ethics  وهناك كتابات عديدة فى هذا المجال، وفلاسفة كثيرون معنيون بهذا الشأن. ويعد الفيلسوف الألمانى إيمانويل كانط واحدا من أهم الفلاسفة الذين كتبوا فى فلسفة الأخلاق، خاصة فى كتابيه ”نقد العقل العملى” و“ميتافيزيقا الأخلاق”، ومن أقواله ”إعمل على النحو الذى يجعل من سلوكك قاعدة عامة تصلح لكل البشر”، وهو الذى أوصى بأن تكتب فوق قبره هذه العبارة ” شيئان يستثيران إعجابى: السماء المرصعة بالنجوم من فوقي، والقانون الأخلاقى فى قلبى”.

وهكذا تظل للأخلاق الأولوية، سواء تعارضت مع العلم، أو الأخلاق، أو القانون، أو السياسة. ولا تنشأ المشكلة إلا عندما يتعارض الفن مع الأخلاق، ويرجع ذلك إلى أن الأخلاق، أيا ما كان مصدرها (العرف أو القانون أو الدين)، إنما توضع لتنظيم حياة الناس الواقعية، خلافا للفن الذى يقوم على الخيال. وفى هذا السياق يختلف مفهوم الشر، مثلا، فى الفن عنه فى الواقع، فالشرير فى الفن لا يعاقب بل على العكس يحصل على الجوائز نتيجة لإجادة لعب أدوار الشر. وهى مسألة بديهية، لأن القاتل أو السارق أوالنصاب فى الفن لايقوم فى الحقيقة بهذه الجرائم، وإنما يحاكيها أو يمثلها، لأن الفن فى شق كبير منه يعتمد عل الإيهام.

وبناء على ذلك ينشأ فى الغالب خلاف بين المحافظين أو المتدينين أو المنتمين للتيارات الإسلامية، الذين ينظرون إلى الفنون من زاوية أخلاقية، وهؤلاء الذين ينظرون إليه من زاوية جمالية من الفنانين أو المثقفين العقلانيين أو المنتمين للتيارات العلمانية.

فكيف يمكن تقريب المسافة بين هؤلاء وهؤلاء، بين الواقع والخيال، بين الأخلاق والفن؟

للإجابة على هذه التساؤلات، ينبغى أن نحل ثلاث إشكاليات فى البداية: على مستوى العمل (علاقة الفن بالواقع)، على مستوى التلقى (علاقة الأخلاقى بالجمالى)، على مستوى المبدع  (مدى مصداقية مصطلح ”الضرورة الفنية”).

بالنسبة لعلاقة الفن بالواقع، أذكر أن الفنانة فاتن حمامة لم تكن تشرب القهوة، وكان هناك مشهد يتطلب منها أن تشرب القهوة، وهنا قدم لها العاملون بالفيلم فنجانا به شاى بدلا من القهوة، إلا أنها رفضت وأصرت على أن تظهر فى المشهد وهى تشرب قهوة على الحقيقة حتى لا تخدع جمهورها.

والحقيقة أن الفن أكثر تعقيدا مما ذهبت إليه سيدة الشاشة العربية. فأى عمل فنى، سينمائى أو تليفزيونى، به عناصر واقعية وأخرى خيالية. إلا أن الملاحظ أن أدوار الشر التى يؤديها الرجال، هى فى الغالب التى تحتوى على عناصر خيالية مثل الإيهام بأفعال القتل والسرقة والنصب، كما ذكرنا، حتى تعاطى المخدرات وشرب المواد المسكرة يمكن أيضا أن يتم بالإيهام. لكن يختلف الأمر فى حالة أدوار الشر التى تؤديها النساء، خاصة ما تعلق منها بجسد المرأة وأنوثتها، فمشاهد العرى، مثلا، لا يمكن الإيهام بها، لأن فعل التعرى لا يمكن أن يتم إلا بالتعرى على الحقيقة، والفنانة التى تظهر على البلاج مرتدية المايوة فى عمل فنى هى بالفعل تقف مرتدية المايوة أمام الكاميرا والعاملين بالفيلم، وقس على ذلك كل الأدوار التى على هذه الشاكلة.

والسؤال الآن: هلى يمكن تطبيق المعيار الجمالى على الجزء الخيالى من العمل فقط، وتطبيق المعيار الأخلاقى عل الجزء الواقعى؟

فى الحقيقة، من غير المستساغ، أخلاقيا أو جماليا، تجزئة المعايير أو تجزئة العمل، فإما يكون التقييم أخلاقيا أو جماليا. وهذا ينقلنا إلى الإشكالية الثانية.. علاقة الأخلاقى بالجمالى، والسؤال المطروح هنا هل يمكن تقييم العمل كله من زاوية أخلاقية خالصة أو من زاوية جمالية خالصة؟

لا يمكن بالطبع تقييم العمل من وجهة نظر أخلاقية فحسب، لأن الرؤية الأخلاقية، التى ستتجاهل العناصر الجمالية، لاشك ستقضى على جوهر العملية الإبداعية، وستفرغ الفن من مضمونه لنجد أنفسنا إزاء كيان باهت، لا ينتمي إلى الواقع ولا إلى الفن. ويتضح هذا الخلط عندما تعترض طائفة مهنية أو مجتمعية معينة (الأطباء أو المحامين مثلا)على الصورة السيئة التى يقدمهم بها العمل، بل ويصل الأمر فى بعض الأحيان إلى الخصومة القضائية.

وتظل الدعوى الأخرى التى يرفع لواءها الفنانون والمعنيون بالشأن الفنى من نقاد ومنتجين ومثقفين متذوقين لفنون السينما والتليفزيون، وهى الإعلاء من شأن العناصر الفنية والجمالية على حساب الاعتبارات الأخلاقية. وفى هذه الحالة يكفى أن نسوق مثالا فنيا حتى نقف على حقيقة الإشكال، ففى فيلم ”زوجتى والكلب” الذى أخرجه سعيد مرزوق عام 1971 هناك مشهد خيانة يحدث بين رجل وامرأة فى الفراش وهما عاريان تماما، ولأن مدير التصوير فى ذلك الوقت كان عبد العزيز فهمى، الذى يملك رؤية تشكيلية يرسمها بالضوء فقد استطاع أن يظلم الشاشة إلا من ضوء ساقط فوق الجسدين المتعانقين فوق الفراش بحيث يبدو شعاع الضوء فوق حواف الجسدين وكأنه يشكل جسدا واحدا، وهى فى الحقيقة بلاغة بصرية عميقة تنجح فى إبراز معنى الالتحام والاندماج بين الشخصيتين القائمتين بفعل الخيانة الفاضح.

وهنا ينبغى أن نتساءل: إلى أى مدى يستطيع المشاهد العادى أو حتى المثقف أن يتجاوز المعنى المباشر للمشهد، الذى ينطوى على فعل لا أخلاقى، ويصل إلى المعانى الجمالية والتشكيلية للمشهد؟. لا شك أن المسألة صعبة، إن لم تكن مستحيلة، لأننا كعرب وكمسلمين، ننتمى لمجتمعات محافظة، ونحمل بداخلنا موروثات دينية وأخلاقية عديدة، ولا يمكننا، بأى حال، أن نستبعد المعيار الأخلاقى من المشاهدة، خاصة إذا كانت المشاهد تنطوى على تجاوزات أخلاقية صارخة وأن الرؤية الجمالية تحتاج إلى قدر كبير من المران لاستيعاب الأعمال بنحو جمالى خالص، وهو ما لا يتحقق إلا لفئة قليلة جدا ومتخصصة، خاصة أننا مجتمعات تشكل وعيها فى ظل ميراث ضخم من الثقافة اللغوية اللفظية، وغابت عنها الثقافة البصرية لسنوات طويلة.

بالنسبة للإشكال الأخير، المتعلق بمصطلح ”الضرورة الفنية”، فينبغى أن نفهم معنى الضرورة فى المنطق وفى العلم حتى نقرر ما إذا كانت هناك ”ضرورة” فى الفن أم لا. وفى هذا السياق، نجد أن ”الضرورة المنطقية” تعنى وجود ارتباط بين الأسباب والنتائج لا يمكن فصمه، بحيث تأتى النتائج دائما لازمة عن مقدماتها، فيما يعرف باللزوم المنطقى، والصورة الشائعة لهذا المنطق القاعدة التى تقول ”إن ما ينطبق على الكل، ينطبق على الجزء”. فعندما أقول ”كل الثدييات تلد”، و“القطط من الثدييات”، فينبغى أن تكون النتيجة بالضرورة هى ”القطط تلد”. والضرورة فى الطبيعة، ميدان القوانين العلمية، تأتى من تعاقب ظاهرتين ترتبطان ببعضهما بعلاقة سببية، مثل الارتباط بين النار والحرارة. فلا يمكن أن توجد النار دون الحرارة، والحالة الوحيدة التى تحقق فيها هذا الافتراض كانت بأمر من المولى عز وجل ”يا نار كونى بردا وسلاما على إبراهيم”. وهذا دليل على الارتباط الشديد الذى يستحيل أن ينفك إلا بمعجزة.

والسؤال: هل توجد مثل هذه العلاقة الضرورية بين اللقطات والمشاهد الفنية، بحيث تحتم على الفنان أن يؤدى فعلا معينا دون غيره، أو أن تأتى لقطة معينة أو مشهد على سبيل التتابع الملزم بالضرورة؟

لا أعتقد ذلك، فالسينما اختراع وليست اكتشاف، والتليفزيون اختراع، ونفس الشىء يمكن أن يقال عن السيناريو والمونتاج والأداء وباقى عناصر العمل الفنى. بمعنى أن الضرورة يفرضها صناع العمل، خاصة المخرج، من خارج العمل، ولا تنبع من الداخل على نحو ما يحدث فى المنطق أو الظواهر الطبيعية، فالضرورة الفنية، فى رأينا، لا تعدو أن تكون أكذوبة، ولا أجد أنسب من مقولة ”المخرج عايز كده” تعبيرا عن هذه الضرورة المزعومة. فلكل مخرج مزاج خاص يصطبغ به العمل، وكثيرا ما نجد مخرجين يميلون إلى الإكثار من المشاهد الساخنة على الشاشة، مثل خالد يوسف، أو المبالغة فى تصوير عوالم الراقصات مثل حسن الإمام، أو اجتياح دنيا الإجرام بكل ما فيها من عنف ودماء مثل كمال الشيخ… وهكذا.

وفى النهاية، إذا أردنا أن نقدم حلا لكل هذا الإشكاليات، فينبغى أن نفهم الفن باعتباره ”إيماءة”، تلميح لا تصريح. فهذا هو المعنى الحقيقى للفن، أن تقول القليل وتومىء بالكثير، وليس أدل على ذلك من السينما الإيرانية التى استطاعت أن تحصل على الكثير من الجوائز العالمية بالرغم من أن ممثلاتها يرتدين الحجاب أو تصنع أفلامهم دون نساء على الإطلاق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق