الرأيكتاب أنحاء

الأداء الوظيفي والانطباع السيء

الكثير من النظريات العلمية المدعومة بالتجريب في ميادين السلوك التنظيمي للأفراد داخل المنظمات، تؤكد أن الانطباع الذي نحمله عن شخص أو مكان أو حدث، جزء لا يتجزأ من عملية القرار أو الحكم الذي نصدره تجاه أي من تلك الأمور. وهذا يبدو طبيعياً بالعودة الى تحليل عملية الحكم أو القرار والتي تتأثر قليلاً أو كثيراً بالمخزون الذهني للفرد أثناء تحديد أي من الخيارات المتاحة أمامه لأن يكون الأفضل. وفي دراسة تطبيقية أجراها ” هوفستيد ” مؤسس  مركز أبحاث الموارد البشرية (IBM) والتي شملت عينة من العاملين في دول مختلفة بلغ عددهم 117,000 عامل، أكد من خلالها تطابق نتائج تلك العينات من حيث تحيز الفرد لانطباعاته حول العاملين وبالتالي الحكم لهم أو عليهم تبعاً للانطباع الشخصي أكثر من أي عوامل أخرى.

وهذا يقود في واقع الأمر الى أن الانطباعات التي تتشكل عن الأفراد داخل المنظمات غالباً ما تأخذ منحى غير موضوعي إزاء تصنيف أداء هؤلاء الأفراد. إذ أن الانطباع الذي عادةً ما يكون (أولي) عن أداء الفرد المتميز مثلاً من الممكن أن يستمر كهالة تحيط بهذا الفرد حتى في ظل تدني مستوى الأداء لديه. قُل كذلك عن الفرد الذي لسبب أو لآخر يقع عند بداياته في أخطاء أو سوء تدبير، فإنه سيُحاط بهالة غير محمودة كأن يجري تصنيفه بالمهمل أو اللامبالي حتى وإن ارتفع معدل أدائه.

والواقع يدلنا على أن الصنف الثاني من العاملين أشبه بمن  يدفع ثمن الخطيئة الواحدة ألف مرة. لأنه من اليسير على الرئيس، بل من المريح له، أن يركن الى انطباعه عن المرؤوس بدلاً من النظر في إنجازاته أو أعماله التي يقدمها. وهذا يمكن رصده وملاحظته بجلاء داخل أماكن العمل.

وهذا يثير سؤالاً في ذهن من قادته الظروف لأن يكونوا في الصنف الثاني: هل تقديمي لأعمال متميزة سوف يغير انطباع رئيسي عني؟

والسؤال نفسه يجب أن يُطرَح على كل مسؤول: هل سوف يتغير انطباعك السيء عن أحد مرؤوسيك فيما لو قدم أعمالاً متميزة؟

من الممكن أن تكون هناك ردود أفعال إيجابية من بعض الرؤساء في أماكن العمل تجاه سؤال كهذا، لكن هذا يختلف تبعاً لطبيعة كل رئيس، والطرق التي يتبعها في إدارة مرؤوسيه، والظروف المحيطة بالعمل وطبيعته. ومع ذلك فنحن عادةً لا نتوقع أي ردود أفعال إيجابية من الرئيس الذي يرأس مئات العاملين. فعنصر الوقت مهم، ومن الصعب بالنسبة لهؤلاء الرؤساء إعادة تقييم أداء عامل واحد في ظل وجود مئات العاملين الآخرين، وهذا يعود بنا الى النقطة آنفة الذكر، وهي ركون الرئيس الى انطباعه بدلاً من النظر في إنجازات وأداء العامل.

لكن ما هو مصير إنتاجية العامل؟ وما هو مصير الأداء المتميز؟ هل يذهب العامل وأدائه أدراج الرياح؟

ولذلك فإن الكثير من النظريات التجريبية كانت قد سلط الضوء على دراسة هذا القصور الإداري، كتلك النظريات التي أثارها ” هوفستيد ” حول دراسة القيم والرؤى التي يتبناها الرؤساء في المنظمات. حيث توصل من خلال نتائج بعض دراساته للسلوك التنظيمي داخل المنظمات،  أن الاعتداد بالانطباع كمقياس هو ما يمكن وصفه بالآفة الإدارية بالنسبة للرئيس أو حتى كذلك بالنسبة الى المرؤوس عن زملائه في العمل.

إن من الصعوبة بمكان تبعاً لـ ” هوفستيد ”  أن تنفصل الانطباعات عن عملية القرار الشخصي، حتى وإن ادعى الفرد أنه يتسم بالحيادية والموضوعية، ومع ذلك فإن الانطباعات التي تتشكل في أذهاننا لا يمكن أن تُصبح أداة في متناول اليد لإجراء التصنيف بين العاملين من حيث السوء أو التميز بعيداً عن النتائج العملية الملموسة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق