الرأيكتاب أنحاء

الفلسفة.. عندما تصبح حوارا بين الأشقاء

منذ أن أعدت نشر مقالى ”نحو فلسفة للحياة اليومية” على صفحة ”التجمع العربى للتنوير”، بعد أن سبق نشرها بصحيفة أنحاء الإلكترونية يوم الثلاثاء الموافق 9 أبريل، وأنا أتلقى ردود أفعال طيبة وواعية، ما شكل حوارا فكريا راقيا بين مجموعة من المثقفين المستنيرين من مصر وسوريا.. د.كمال فهمى وكاتب هذه السطور من مصر، ود. ملاك سباعى، د.وليد حيدر، د.مفيدة مصطفى من سوريا. ولما كان الحوار يحمل من ثراء الفكر وأدب الاختلاف ما يجعله نموذجا حيا لما ينبغى أن تكون عليه مناقشاتنا واختلافاتنا، فقد رأيت أن أنقل الحوار من الصفحة إلى الصحيفة كما سبق وأن نقلت المقال من الصحيفة إلى الصفحة فى نوع من الجدلية المتصاعدة، التى من شأنها أن تسهم فى دفع حركة التنوير، ولو خطوة واحدة إلى الأمام.

د.كمال فهمي:

مقال ممتع ولكنه يثير فى نفس الوقت قضية اصطلاحية مهمة حيث تتداخل مصطلحات الفلسفة والفلاسفة مع مصطلحات الفكر والمفكرين. وفى اعتقادى أن مصطلح فلسفة وفلاسفة يصبحان فى عصرنا الحالى قاصرين على بعض الأسماء القديمة، أما الآن فنحن نتحدث عن مفكرين ولم نعد نتحدث عن فلاسفة.. وأرجو إن كانت هذه النظرة غير صحيحة أن تذكر لنا فلاسفة على قيد الحياة الآن فى العالم العربى أو الغربى.

 د.ماهر عبد المحسن:

ليس هناك معايير علمية منضبطة للتمييز بين الفيلسوف والمفكر. لكن جرى العرف على وصف مفكرى الغرب، القدماء والمحدثين، بالفلاسفة، ووصف المفكرين العرب القدماء فقط بالفلاسفة كإبن رشد والفارابى وإبن سينا، كما أطلق على أفكارهم “الفلسفة الإسلامية” لارتباطها بقضايا دينية. أما فى العصر الحديث فكل العرب المشتغلين بالفلسفة يطلق عليهم “مفكرون” لا “فلاسفة” باستثناء قلة قليلة حملت لقب “فيلسوف” نظرا لريادتها فى حقل الدراسات الفلسفية وإنتاجها الغزير والعميق، ودورها الكبير فى تثقيف النخبة والعامة على السواء، مثل عبد الرحمن بدوى و زكى نجيب محمود.

ومن وجهة نظرى المتواضعة فإن كلمة “فيلسوف” تطلق على من يمتلك نسقا فكريا شاملا يمكن من خلاله تفسير كافة ظواهر الحياة والوجود مثل هيجل صاحب الفلسفة الجدلية، والتى نجح فى تطبيقها على الفن والدين والتاريخ والعلم والقانون. وفى المقابل تطلق كلمة “مفكر” على هؤلاء الذين يمتلكون أدوات منهجية للتعامل مع قضايا الواقع الراهن، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية.

وبهذا المعنى يندرج معظم مثقفينا العرب ممن يشتغلون بالفلسفة أو بالفكر عموما تحت مصطلح “مفكر”. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، الراحلين عبد الوهاب المسيرى وصلاح قنصوة، وحسن حنفى متعه الله بالصحة والعافية.

مع خالص الشكر والتقدير د. كمال.

د.ملاك سباعى:

مع إني غير متعمقة بالفلسفة دكتور ماهر.. ولكن ما أشعر به أن ما تطلق عليه تعبير الفلسفة اليومية هو جزء لا يتجزأ من الفلسفة بشكل عام.. ربما رغبتنا في التبسيط هي التي تجعلنا نستخدم هذا التعبير.. والذي حسب رأيي “كوجهة نظر”غير موجود.

وربما أيضا أجد أن الفلسفة “، وبعكس ما ذكر د.كمال، هي علم قائم بذاته له قواعد وأسس وضعها الفلاسفة الأقدمون للانطلاق منها إلى رؤى أعمق والاستمرار في البحث والتساؤل.

أما المفكر فهو المبدع الذي يقوم بتحليل الواقع من كل جوانبه، ومن ثم استنباط أفكار جديدة تساهم في بناء مستقبل أفضل.

مسألة الأسماء لا أجد لها أهمية كبيرة.. إنها ترتبط باجتهادات جديدة ونظريات جديدة لم يستطع أحد وضعها بعد.

تحياتي لكما…مع الشكر الجزيل.

د.كمال فهمى:

د.ملاك.. أنا أريد أمثلة لمن يطلق عليهم فلاسفة الآن أحياء.. لا يوجد.. وفى تخيلى أن العصر هو عصر العلم وليس الفلسفة.. كان للفلاسفة أهميتهم حينما كان العلم قاصرا.. الآن العلم يعطى تفسيرات قطعية لما كان يحير العقل البشرى ويجعله يلجأ للتفلسف نظريا.. هذا لا يضير علم الفلسفة ولكنه من وجهة نظرى سيكون علما تاريخيا أكثر منه معاصرا.

د.ملاك سباعى:

 ربما لا أوافقك دكتور مع أنني من أشد المؤمنين بالعلم كقوة لن يتفوق البشر إلا بها، ولن تتحسن أحوالهم ويقضون على كل أهوال الحياة إلا بالعلم.

ولكنني في الوقت نفسه مؤمنة بأن الإنسان كائن معقد جدا.. وبالعلم وحده ربما يحمل قوى تدميرية كبيرة حتى لذاته.. الفلسفة ودورها يأتي في فهم الإنسان وعقله ودوافعه وسلوكه وعدوانيته وأنانيته وغرائزه… إلخ. كل هذا لا يستطيع العلم التجريبي وحده أن يقوم به.

د.كمال فهمى:

فهم الإنسان ودوافعه وغرائزه كل هذا يندرج تحت علم النفس، وهو علم وليس فلسفة.. عموما الموضوع معقد ويحتاج إلى دراسة وتامل.

د. ملاك سباعي:

 نعم.. علم النفس بما أنه ليس عضوا تشريحيا درسناه في الطب كالكبد والقلب…الخ. وبما أن له علاقة بأمور بعضها هرموني وبعضها الآخر اجتماعي وعقلي، إذا لابد من تدخل الفلسفة. وأعتقد أن علم النفس يدرس مع الفلسفة، على عكس الأمراض العقلية التي تدرس مع الطب.

كما ذكرت حضرتك دكتورنا العزيز الموضوع معقد وإشكالي.

د.ماهر عبد المحسن:

 أتفق معك تماما د.ملاك فيما تفضلت به، وأود أن أضيف أن محاولة تأسيس فلسفة خاصة بالحياة اليومية ليست مجرد فكرة مجازية أو خيالية، لأن الفلسفة المعاصرة فى المجتمعات الغربية قطعت شوطا طويلا باتجاه ربط الفلسفة بواقع حياة الإنسان اليومية، وذلك من خلال تجليات عديدة للفكرة، على المستوى الأكاديمي والمستوى الفكرى العام، من قبيل الفلسفة التطبيقية والفلسفة العامة والاستشارات الفلسفية، وهى حقول معرفية فلسفية جديدة تستحق الدعم والتأييد، غير أنها، للأسف، مازالت بعيدة عن الفكر العربى ولم تحظ بالاهتمام الكافى حتى الآن.

مع خالص محبتى وتقديرى.

د.وليد حيدر:

موضوع مهم جدا دكتور ماهر.. إن أعداء الفلسفة هم المتخصصون بالفلسفة، لأنهم يعقدون المواضيع الفلسفية بمصطلحات غريبة عن ثقافة الإنسان العادي ويطرحون المسائل الفلسفية بطريقة لغوية بالغة التعقيد كي يوهموا الناس العاديين بأنهم أكثر ثقافة وأكثر علما.. وهذا خلق هوة كبيرة بين ثقافة الناس وبين ثقافة الفلاسفة.. وهو مادفع الإنسان العادي إلى وصف كل من يثرثر بأنه يتفلسف كنوع من التهكم.

د.ماهر عبد المحسن:

اتفق مع حضرتك تماما د.وليد فيما ذهبت إليه، وأود أن أضيف أن هناك ظاهرة صحية الآن فى الحقل الأكاديمي، وهى استشعار طائفة من هؤلاء المتخصصين، الذين أشرت إليهم سيادتكم، بتلك الهوة الكبيرة التى حدثت بين الفلسفة وثقافة الناس، فاتجهوا إلى محاولة الربط بين الفلسفة وقضايا الواقع، وأحسب نفسى من هؤلاء.

وفى كل الأحوال هى ظاهرة تبشر بالخير، وتستحق الدعم والتأييد.

خالص مودتى واحترامي.

د.مفيدة مصطفى:

لا أملك ما يضاف.. أشكركم جميعا جزيل الشكر، حوار ممتع جدا من شخصيات مفكرة وراقية بأسلوب حضاري.. أتمنى أن يتحقق ما أشرتم إليه من ربط الفلسفة بالواقع لتصبح أكثر فائدة وأقرب للعامة.

د.ماهر عبد المحسن:

خالص الشكر والتقدير لشخصكم الكريم د.مفيدة، وتمنياتى للجميع بحياة فكرية خصبة وموفقة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق