الرأيكتاب أنحاء

تأملات فلسفية فى الأعياد المصرية

تلعب الأعياد دورا هاما فى حياة الأفراد والشعوب، فهى فرصة جيدة للتعبير عن الخصوصية، وهى فى ذات الوقت مناسبة للاحتفال والشعور بالبهجة. وبالرغم من وجود أعياد لها صفة العالمية مثل عيد الحب، إلا أن لكل مجتمع، ولكل شعب من الشعوب أسلوبه الخاص فى الاحتفال والتعبير عن الخصوصية. وبهذا المعنى يمكن النظر للأعياد، على اختلافها، باعتبارها مناسبة للتفكير، وللاحتفال بوصفه طريقة فى التفكير. ومن خلال رصدنا لهذه المناسبات الاحتفالية فى مصر، والتى لا تختلف كثيرا عن باقى بلدان الوطن العربي، أمكننا كتابة هذه التأملات.

1- عيد ميلاد جرح وطن

غلبت روح التشاؤم على معظم بوستات العام الجديد، وهى سمة تميز الكثير من الكتابات التى تدور حول أعياد الميلاد، فقديما غنى عبد الحليم ” يامفرقين الشموع قلبى نصيبه فين ” ، وغنى فريد الأطرش ” عدت يا يوم مولدى .. عدت يا أيها الشقى ” ، وحديثا غنى هانى شاكر ” عيد ميلاد جرحى أنا ” ، ويرجع السبب فى هذه الروح التشاؤمية إلى أن الناس اعتادت أن تنظر إلى العام الفائت أكثر مما تنظر إلى العام القادم . والحقيقة أن العام الذى يمضى لا ينقص من أعمارنا بقدر ما يضيف إليها ما حصلناه من خبرات وما اكتسبناه من زيادة فى الوعى وفى أفق التفكير . وليس أدل على ذلك من أننا نحسب أعمارنا بما انقضى منها وليس بما هو آت، فيقول الواحد منا مثلا “أنا عندى أربعين سنة”. وبالرغم من أنه يقصد السنوات التى مرت إلا أنه يعبر عنها بصيغة الملكية “أنا عندى”. أى أن ما فات لم يذهب أدراج الرياح وإنما هو خبرة نستحوز عليها ونمتلكها بين أيدينا . وربما يرى البعض أن ذلك ينطبق على الأفراد لا الجماعات، على المواطن لا على الوطن، خاصة أن الحال فى البلاد مازالت متردية رغم مرور السنوات، بل ان منحنى التاريخ الوطنى يميل إلى الانحدار . والحقيقة أن ما ينطبق على الوعى الفردى ينطبق على الوعى الجمعى ، فالسنوات التى تمر من عمر الوطن تضيف إليه ولا تنقص منه، وأن الدماء التى سالت والأرواح التى أزهقت لن تذهب سدى ، ولكن سيأتى اليوم الذى سيقول فيه التاريخ كلمته. أما الذين يختزلون الوطن فى محض مغامرات سياسية غير محسوبة فإنهم أضعف من الوعى وأقل من الحضارة وأصغر من التاريخ . وستثبت الأيام أن البقاء لن يكون أبدا للأقوى أو للأغبى ، ولكن للأعقل والأصلح والأجمل.

2- الست دى مش أمى

مع اقتراب عيد الأم بدأت وسائل الإعلام فى الإعداد لهذه الاحتفالية وحشد أكبر قدر من الأغانى والاستعراضات واللقاءات المعبرة عن هذه المناسبة الكبيرة. كما بدأت الأسر المصرية فى جدولة ميزانيتها على النحو الذى يمكنها من أن تستوعب الأعباء المالية القادمة من أجل شراء الهدايا الفخيمة للأمهات اللائى ظللن طوال العام يرددن أنهن فى غير حاجة إلى الهدايا، وأنه تكفى وردة واحدة من الأبناء الأبرار للتعبير عن الحب والعرفان بالجميل. وإزاء هذه المناسبة الفريدة فى شكلها ومضمونها تتداعى على رأسى العديد من الأفكار والخواطر التى تجعلنى أعيد التفكير فى مفهوم الأمومة.

فالأم التى كرمتها الأديان وجعلت الجنة تحت قدميها هى الأم الحقيقية التى أنجبت وربت، والتى أنجبت بالأساس. فالقرآن الكريم أطلق صفة الأمومة على امرأة عمران التى أنجبت موسى(وأوحينا إلى أم موسى)، ولم يطلقها على امرأة فرعون التى اتخذته ولدا. وفى الفن عندما كتب حسين السيد أغنيته الشهيرة “ست الحبايب” إنما كان يقصد الأم الحقيقية التى أنجبت وربت، وهى التى قال عنها “زمان سهرتى وتعبتى وشيلتى من عمرى ليالى .. ولسه برضه دلوقتى بتحملى الهم بدالى”. وحتى عندما كتب مرسى جميل عزيز أغنيته العاطفية الطريفة “ياما القمر ع الباب” فكان يقصد أيضا الأم الحقيقية، ولا أعتقد أنه كان يقصد زوجة الأب أو الحماة أو مشرفة الدور فى المدرسة.

فالأم هى دائما التى أنجبت وقامت بالتربية والسهر على راحة الأبناء. كان هذا هو المفهوم الواضح، والمتعارف عليه دونما أى جدل أو سفسطة، إلى أن جاء أنور وجدى عام 1953 ليكسر هذه القاعدة فى فيلم “دهب”، الذى قام بإخراجه ولعب بطولته أمام الطفلة المعجزة فيروز، ليؤكد على أن الأم هى “اللى بتربى مش اللى بتخلف وترمى عيالها”، وسارت السينما المصرية على هذا النهج، واستخدمت هذه التيمة عشرات المرات بعد أنور وجدى، وكان من أشهرها فيلم “لا تسألنى من أنا” الذى قامت ببطولته شادية وهى فى سن كبيرة عندما لعبت دور الأم أمام يسرا.

ولأن مفهوم التربية فضفاض، فدخلت فيه الحماة، والأخت الكبيرة التى فاتها قطار، الزواج، ومدرسة الفصل، ومشرفة الدور، والدادة، ومديرة المدرسة، والجارة التى ربتت على كتف إبن جارتها وهو يعبر الطريق ذات صباح. والمفارقة المؤلمة فى هذا الوضع المقلوب أن الأم الحقيقية هى التى أصبحت تتحمل عبء شراء الهدايا لكل هؤلأء فى عيد الأم، بينما ينسى الأبناء أن يقدموا لها أى هدية، حتى ولو الوردة التى كانت تطلبها الأمهات الأخريات بتواضع واستحياء كاذبين.

ليس هذا فحسب، بل إن مفهوم الأمومة قد اتخذ معنى مجازيا يتجاوز المعنى التربوى، ليكون مبررا لحالات العجز والفشل التى تصيب الإنسان والفكر والحضارة . فعندما عجزت الفلسفة عن أن تحقق نفس النجاحات التى حققتها العلوم الأخرى، الطبيعة والاجتماع والنفس، زعم مفكروها أنها أم العلوم، وعندما فشلت مصر المعاصرة فى تحقيق أى إسهام حضارى تبارى به الأمم الأخرى، ويتناسب مع تاريخها، ادعى أهلها أنها أم الدنيا !!

3- عيد الحب

يختلف عيد الحب عن أى عيد آخر لأنه لايرتبط بالأكل قدر ارتباطه بالهدايا. فهو يشبه فى ذلك عيد الأم ، الا أنه يختلف عنه فى أن هداياه تنصب على الدباديب وخاصة الكبيرة منها وذات اللون الأحمر الفاقع بنحو أخص. ومن الملاحظ أن الحب يرتبط بالفن أكثر مما يرتبط بالواقع. فقد غنت أم كلثوم سيرة الحب، وظلمنا الحب، والحب كله، والحب كده، وحب ايه، وغنى عبد الحليم خايف أحب، وبأمر الحب، وضحك ولعب وجد وحب، ومثل عبد الوهاب يحيا الحب، وممنوع الحب، وعرف بهاء سلطان بأغنية ياترى يا حبيبى، واشتهر عمرو دياب بأغنية حبيبى يا نور العين، وتألق هانى شاكر فى حبيب عينيه، وأبدع كاظم الساهر فى بعد الحب، وعلمنى حبك، وحبيبتى والمطر. ومن أشهر الأفلام الرومانسية التى كانت تحمل اسم الحب: حبيبى دائما، والحب فوق هضبة الهرم، ولاوقت للحب، ولا يا من كنت حبيبى، وأحبك يا حسن. ومن الأفلام التى كانت تتخذ من الحب موضوعا لها دون ذكر لكلمة الحب فى عناوينها: عمر وسلمى، والشموع السوداء، وذهب مع الريح، وتيتانيك، وقصة حبى مع زميلتى بالكلية التى بدأت بكيس شيبسى وانتهت بأحمد وميرنا !!

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق