الرأيكتاب أنحاء

عبادة الشكر وثقافة الامتنان

شُكر الله عز وجل على نعمه عبادة عظيمة، وهي بذاتها نعمة تستحق الشكر، قال (ابن القيم): الشكر ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده: ثناءً واعترافاً، وعلى قلبه: شهوداً ومحبةً، وعلى جوارحه: انقياداً وطاعةً.

قال الله تعالى:(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ). قال (الحسن البصري): إن الله لَيُمتِّعُ بالنعمةِ ما شاء، فإذا لم يُشكر عليها قلبها عذاباً، ولهذا كانوا يسمون الشكر: الحافظ، لأنه يحفظُ النِعم الموجودة، والجالب، لأنه يجلبُ النِعم المفقودة.

ولكي تعتاد شُكر الله عز وجل لابد لك أن تعتاد شُكر الناس على معروفهم، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ). قال الإمام (الخطابي): هذا الحديث فيه ذمّ لمن لم يشكر الناس على إحسانهم، وفيه أيضاً الحثّ على شكر الناس على إحسانهم، وشكر الناس على إحسانهم يكون بالثناء عليهم، وبالكلمة الطيبة، وبالدعاء لهم.

وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: (من صنعَ إليكم معروفاً فَكَافِئُوهُ، فإن لم تجدوا ما تُكَافِئُونَهُ فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه). شُكرَ من أحسنَ إليك، مبدأٌ إسلامي أصيل، وهو من مكارم الأخلاق، وهذا الشكرَ يشملُ المسلم وغير المسلم أيضاً إذا صنع لك معروفاً.

في السنوات الأخيرة طالعتُ عدداً كبيراً من كتب تطوير الذات، ما بين قراءة وتصفّح، ووجدت بها أفكاراً كثيرة مُشتركة، ومن هذه الأفكار والتي لا يكاد يخلو منها كتاب، فكرة (الامتنان)، بمعنى الاعتراف بالفضل وتقديم العرفان والشكر،    وهو نوع من أنواع التفكير الإيجابي، لأنه يتطلب التركيز على جوانب الخير، وله دور كبير في تحسين جودة الحياة، فهو علاوة على أنه يجلب الرضا العميق للنفس، ويجعلها في حالة سلام داخلي، كذلك يجعلنا نضع الناس في مراتبهم المُستحقة، ونُعطي للأشياء قيمتها الحقيقية، يقول (المثل الصيني): إن من يشرب الماء عليه أن يتذكّر من حفروا البئر.

تتعدد الأسماء والمعنى واحد، أسميتها شكر أو أسميتها امتنان، هي بالنهاية اعترافٌ بفضل، وتقديرٌ لإحسان، فتحمد الله عز وجل وتشكره على نعمه التي لا تُعدّ ولا تُحصى، وتمتن لكل انسان صنع لك معروفاً فيُذكر ولا يُنسى، فبالشكر تدوم النِعم، وبالامتنان يزول الألم.

وإذا أردنا المواظبة على هذه العبادة فعلينا بدعاء الرسول عليه الصلاة والسلام، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده، وقال: (يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك).

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق