الرأيكتاب أنحاء

تأملات فلسفية فى وسائل النقل العامة

تعتبر وسائل النقل العامة عوالم مستقلة، لها ملامحها الخاصة التى تميزها عن غيرها من العوالم والمجتمعات. كما أن لها أناسها الذين ينتمون إليها ويعكسون ألواناً خاصة من الثقافة والتفكير. فالمواصلات العامة ليست مجرد وسائل للنقل، لكنها أصبحت ميداناً مألوفاً للممارسات الإنسانية، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بل والعاطفية الرومانسية أيضاً.

وفى كل الأحوال تحكم هذه الممارسات أخلاقيات معينة، تختلف من وسيلة نقل لأخرى، حتى أننا يمكننا التمييز بين أخلاقيات للملاكى، وأخلاقيات للأوتوبيس، وأخلاقيات للميكروباص، وأخلاقيات للمترو، وهكذا..

وفى هذا السياق، سنعرض لبعض التأملات الفلسفية التى كانت وليدة لخبرتنا الذاتية بهذه المركبات.

1- فلسفة الميكروباص

الميكروباص ليس مجرد وسيلة مواصلات . إنه أداة منهجية يمكن من خلالها تحليل ظواهر الفكر والسلوك لدى المصريين. فمن الناحية الاقتصادية والاجتماعية، يستخدم الميكروباص أناس ينتمون الى الطبقة الوسطى من الموظفين والنساء العاملات وطلبة المعاهد والجامعات .إنها الطبقة التى تنأى بنفسها عن معاناة الأوتوبيس، وفى نفس الوقت لاتستطيع أن تركب تاكسياً . والظاهرة الملفته فى هذا الصنف من الناس أنهم يركبون الميكروباص، و داخلهم شعور بالاختلاف عن الركاب الآخرين، وهو الأمر الذى يكشف عن تفاوت طبقى داخل الطبقة الواحدة، فهناك مثلا من يفضل الجلوس بجوار السائق ويدفع أجرة المقعدين الملاصقين للسائق حتى يحقق لنفسه شعوراً بالتميز والاستقلال عن باقى الركاب فى الميكروباص، وفى الحقيقة هو يريد أن يحقق لنفسه الشعور بأنه راكب تاكسى رغم أنه راكب ميكروباص ودافع أجرة ميكروباص . البعض الآخر يجلس بجانبك وهو يحرص على ألا يلمس شيئ من جسمك  شيئاً من جسمه، إنه يريد أن يجلس بجانبك و يشعر بكامل وجوده دون أن يشعر بوجودك. وعلى العكس من ذلك تماماً، هناك من يستولى بجسده الضخم على المساحة المخصصة لك فى المقعد المشترك بينكما بحيث تشعر بنفسك متطفلا عليه فى جلسته، إنه يريد أن يشعرك بوجوده رغم أنه لايشعر بوجودك . هذا ويميل معظم الركاب للجلوس بجانب النافذة كالأطفال، ربما للفرجة على الطريق، وربما للتحكم فى كمية الهواء الداخلة فى الميكروباص . ولأن الميكروباصات فى الغالب لا يخصص لها صبى للم الأجرة، خاصة فى المسافات الطويلة، فتجد أن معظم الركاب يتهربون من عبء هذه المهمة ويلقون بأجرتهم إلى أول شخص يبدى استعداده للقيام بها، يتم ذلك على استحياء فى بعض الأحيان، ويتم بلهجة آمرة فى كثير من الأحيان . و هنا تنشأ مشكلة ميتافيزيقية أمام القائم بلم الأجرة، فإما تأتى كل الوحدات النقدية كبيرة مما يضايق الركاب، وإما تأتى كلها صغيرة مما يضايق السائق ، و فى كل الأحوال عليه أن يحل هو المعضلة بنفسه، فى حين ينصرف الركاب عنه إلى أمور أخرى تشغلهم أكثر أهمية من وجهة نظرهم . ومن الناحية الثقافية، يختلف ركاب الميكروباص وتتنوع اهتماماتهم، ففى المقدمة يحاول سائق الميكروباص، وهو أمى فى الغالب، أن يفرض ذوقه الشعبى على الركاب فيقوم بتشغيل أغان ذات ألحان زاعقة وكلمات ركيكة لمطربين مغمورين، فى حين يحاول كل راكب أن يفلت من سيطرة هذا الذوق الفج بطريقته الخاصة، إما بالاستغراق فى الاستماع الى أغان ذات ذوق راق يناسب الراكب عن طريق الهد فون، أو بالاندماج فى قراءة القرآن الكريم ومحاولة تدبر معانيه، أو بالانخراط فى حديث جانبى، أو النوم ، أو التشاغل برؤية الشارع عبر النافذة . ومن الناحية الأخلاقية، يمثل السائق، رغم قلة تعليمة و ضحالة ثقافته، سلطة على الركاب، فهناك ميل فطرى لإرضائه من قبل معظم الركاب، وهناك فى المقابل رغبة من قبل السائق فى ممارسة قدر من الهيمنة باعتبارة المتحكم فى قيادة الميكروباص . وبهذا الاعتبار يمكن لسائق الميكروباص أن يرتكب ما شاء من المخالفات المرورية فى ظل تأييد غريب ومفضوح من قبل الركاب على اختلاف ثقافاتهم، ولا يستطيع أن يضع حدا لهذه الهيمنة سوى رجل السلطة الفعلى المتمثل فى رجل المرور حتى لو كان مجرد أمين شرطة . وهكذا يمكن اعتبار الميكروباص صورة مصغرة للمجتمع المصرى، يتحرك فيه الركاب ويتصرفون بحرية داخل مساحات ضيقة، فى حين يتحكم هو فى حركتهم الأكبر ويحدد لهم مصيرهم النهائى.

2- آلة الزمن

اعتبر نفسى كائناً ميكروباصياً، أقع فى المنطقة الوسط ما بين الكائن التاكساوى و الكائن الأوتوبيسى . فأنا لا أركب الأوتوبيس الا نادراً، ولا التاكسى إلا عند الضرورة .. منذ أيام عثرت على أوتوبيس “فاضى” فى ساعة الذروة فى ميدان الجيزة، و نظراً لأن ميكروباصات الهرم كانت مزدحمة فقررت ركوب الأوتوبيس .. اخترت الجلوس علي الكنبة الخلفية بجوار النافذة، مكانى المفضل منذ أيام الجامعة .. بمرور الوقت بدأ الأوتوبيس فى الازدحام، ووجدتنى محاصراً بحشد كبير من البشر، وعندما تفرست فى ملامحهم لاحظت أنها نفس الوجوه المتعبة التى كنت ألمحها فى طوابير العيش البلدى فى إمبابة و أنا صغير، وهي التى كنت أراها محتشدة أمام الجمعيات الاستهلاكية فى الكيت كات للحصول على فرخة مثلجة أو كيلو سمك بلطى متجمد، و هى أيضا التى كنت أراها تفترش الرصيف أمام دكان الحاج محمود بتاع التموين فى بولاق أبو العلا للحصول على الحصة الشهرية من الزيت والسكر والشاى ولأرز والمكرونة والصابون ..إنها نفس الوجوه التى كانت تنتظر يوم واحد مايو لتجلس أمام التليفزيون وداخلها شعور عارم بالترقب والبهجة، وهى تنصت لخطاب الرئيس الذى سينتهى حتما بالإعلان عن منحة عيد العمال . كانت وجوه تثرثر و تردد نفس الكلمات، تفتى فى كل شىء، و تنتقد كل شىء، فقط من باب التنفيس ، و كأن ثورة لم تحدث و شباباً لم يدفع حياته ثمنا للتغيير.. إنها وجوه خارج التاريخ، والأوتوبيس آلة للزمن، تنطلق يومياً بأقصى سرعة، لكن للوراء !!

3- أسطورة الوقاحة أو ترعة المحمودية

صباح اليوم، وبينما كنت مستقلا مترو الأنفاق، قفزت بنت صغيرة فى سن الصبا من باعة المناديل إلى عربة المترو. كانت تحمل ملامح منغولية توحى بالتخلف، وترتدي ملابس ضيقة تبرز مفاتن تستحق الرثاء، وترسم على وجهها جدية مقيتة ممزوجة بعبوس مفتعل. أخذت تتحرك سريعاً بطول العربة جيئةً وذهاباً وهى تلقى بأكياس المناديل فى وجوه الركاب بلامبالاة غريبة، وتغمغم متأففة بكلمات غير مفهومة، ثم تسب الدين بغير سبب وكأنها تبصق لبانة مهترئة من فرط المضغ.

بعض الركاب شعر بشئ من الخوف فلزم الصمت، والبعض الآخر، ولسبب غير مفهوم تعاطف معها فاشترى منها، والبعض الثالث انتابته حالة هيستيرية من الضحك.

البنت لم تكن متخلفة بالمعنى المنغولى، لكن بالمعنى العلمى والأخلاقي، وبالرغم من ذلك استطاعت أن تمثل سلطة لا مصدر لها سوى الثقة الزائفة بأنها تملك من الوقاحة والبلاهة ما يجعلها لا تخشى أحداً، وأن تترك فى نفوس الركاب جميعهم أثراً ما قوياً، الذين خافوا والذين تعاطفوا والذين ضحكوا. وهذا هو حال المصريين تجاه أى ظاهرة، ثلاثة مواقف سلبية، استسلامية، تهكمية، دون موقف رابع عقلى نقدى تأملى، يعيد إنتاج المشهد برمته، ليصدر تجاهه حكماً حقيقياً منصفاً يضعه فى حجمه الحقيقى، ويبنى على أساسه سلوكاً واعياً، مناسباً لطبيعة اللحظة الأسطورية فى الظاهر المتهافتة فى الحقيقة !!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق