الرأيكتاب أنحاء

كوب الماء وكوب الشاى

لا يتمتع كوب الماء بنفس شعبية كوب الشاى رغم أهميته الشديدة التى تفوق أهمية كوب الشاى، لأنه يلبى حاجة بيولوجية أكثر مما يلبى حاجة إنسانية. فلا توجد خبرات إنسانية خاصة ترتبط بشرب الماء، ولا ذكريات يمكن أن نستعيدها مثلما يحدث فى حالة شرب الشاى.

فلا أذكر من وقائع شرب الماء سوى خبرتى الإفطار والسحور فى شهر رمضان الكريم، وما كتبه مصطفى أمين فى مذكراته “سنة أولى سجن” التى كتبها فى المعتقل، وما شرحه لنا أستاذ الاقتصاد فى كلية الحقوق من أن كوب الماء قد لا يساوى شيئاً بالنسبة للذين يعيشون فى المدن، لكنه يساوى ملايين الجنيهات بالنسبة للتائه فى الصحراء.

وعلى العكس من ذلك، نجد أن لكوب الشاى خبرات فينومينولوجية عديدة يمكن استعادتها ووصفها بدقة. فالشاى عند المصريين هو المشروب المفضل الذى “نحبس” به بعد الأكل، وليس القهوة أو العصير أو المياة الغازية. وهو المشروب الأكثر رواجاً فى المقاهى بالرغم من أن “المقهى” أو “الكافيه” يستمد إسمه من القهوة وليس من الشاى. وهو المشروب الذى يعشقه  العمال والصنايعية، ويتناولونه باستمرار أثناء عملهم لأنه يلعب دوراً نفسياً كبيراً فى دفع المشقة عنهم ومنحهم القدرة على مواصلة العمل البدنى المرهق، فهو وسيلة للراحة وللتسرية. وكوب الشاى هو المشروب الذى تقدمه الأم لأولادها أثناء المذاكرة، ولزوجها المتعب القادم من العمل، ولضيوفها المقربين الذين يزورونها فى الأعياد والمناسبات. وهو مادة للضحك فى المسرح كما فى “المتزوجون” لجورج سيدهم، وهو إيماءة جنسية فى السينما كما فى “غاوى مشاكل” لعادل إمام. وهو المشروب الاقتصادى الذى يمكنك أن تطلبه فى أى مكان وتعزم عليه أى أحد، دون أن تخشى الوقوع فى الحرج.

وبرغم ذلك، يمكن للإنسان أن يحيا دون شاى ولا يمكنه أن يحيا دون ماء. كما أن كوب الماء يمكن أن يتوفر فى غياب الشاى، بينما لا يمكن إعداد كوب الشاى فى غير وجود الماء!!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق