الرأيكتاب أنحاء

برامج التهيئة للتقاعد

من أهم المنعطفات الهامة في حياة الموظف، مرحلة ما بعد التقاعد . فالبعض يعرف سلفاً ولو بمقدار معين ما سوف تنشغل به أوقاته خلال هذه المرحلة، وليس بالضرورة أن يتضمن ذلك عملاً جديداً ، بل المعرفة والإعداد المسبق لملء الفراغ الكبير الذي سوف تحمله الأوقات القادمة ما بعد التقاعد . فإذا أصاب المتقاعد (الجديد) هدف ملء الفراغ بنشاط بدني أو فكري، فقد أنجز عملاً عظيماً.

غير أن الأمر الذي يكاد يكون غائب تماماً هو: وجود أنشطة أو برامج لتهيئة المُقبلين على التقاعد للمرحلة الجديدة . فأعداد المُتقاعدين سنوياً من مؤسستي التقاعد والتأمينات يُعَد بالآلاف من كلا الجنسين، ومُعظم هؤلاء المُتقاعدين يصطدمون بالواقع الجديد المغاير كلياً في عنصري الوقت والفراغ.

والجدير بالذكر في هذا الجانب، ما يُحكى من باب الطُرفة في أن بعض المتقاعدين يشغلون أوقات فراغهم في إشغال أهل بيتهم وأبناءهم . لكن في تقديري أن هذه الطُرفة التي يُنعَت بها المتقاعدون، ليست إلا عُصارة المأساة الفراغية التي تكتنف أوقاتهم . فالإنسان بطبيعته ليس مجبولاً على السكون، بل هو يستشعر وجـوده بديمومة الحركة . وما دام في معزل عن مصادر الحركة والنشاط، فإنه سينشغل حتماً بأي شيء حوله.

صحيح لا بد أن تأتي اللحظة التي يشعر إزاءها المتقاعد بالحاجة للراحة التامة دون تقديم أي عمل، لكن هذه اللحظة الحتمية غالباً ما تأتي متأخرة، أعني أنها ( في أحيان كثيرة) لا تأتي بعد سن التقاعد مباشرة .  وقد يحلو للبعض خلال هذه المرحلة الأولية وما بعدها، الاستمتاع بكامل وقتهم جزاءً لأنفسهم عن سنوات العمل، ولكن أيضاً ليس جميع عابري هذه المرحلة يقررون ذات القرار على السواء.

وأنا لستُ متقاعداً ، ولكن عملي يستهدف الفئة المتقاعدة ، ولذا فأنا استشعر بحكم احتكاكي بهم وتعاملي معهم مدى حاجة الكثير منهم لإشغال وقت فراغهم ، وهو أمر يمكن ملاحظته على لسان حال الكثير منهم تجاه الملل والشكوى من الفراغ.

ولذا فمن التقدير لهذه الفئة التي قضت أجمل سنين عمرها في خدمة المجتمع، ألا يتم نسيانها خلال المنعطف الهام الذي سوف تُقبِل اليه . فلابد ولو بمقدار ضئيل وجود أعداد من هؤلاء يبحثون عن ملء فراغهم . فمن بين هؤلاء الهاوي والمثقف والمحترف في حقل من الحقول، ومن النافع على المستويين الفردي والمجتمعي تهيئة الظروف لتمكين هذه الفئة من الانخراط في نشاطات متنوعة تلاءم مرحلتهم وأذواقهم، أو حتى تذليل السُبُل أمام رغبتهم في العمل متى أرادوا .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق